جنبلاط” رادار” لبنان والقراءة الواقعية للمشهد! (جوزف القصيفي)

حديث رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط الاخير الى جريدة” ميديا بارت” الفرنسية الإلكترونية أخيرا، قدم قراءة مكثفة لواقع لبنان ومقاربة موضوعية لما قد ينتظره، وينتظر سوريا في طالع الايام، إذا لم يتنبه اللاعبون المحليون على الارض إلى مخاطر الرهان على الخارج المتصارع والمشتبك في الاقليم والعبث بالاتفاقات التاريخية التي وضعت بعد الحرب الكونية الاولى. إذ من شأن تشظيات هذا الصراع بروز خرائط جديدة تدخل المنطقة في حرب الالف عام، لا على قاعدة طائفيةومذهبية فحسب بل اثنية مدمرة. قالها وليد جنبلاط محذرا أن لا أحد يستطيع إلغاء أحد في لبنان، وقد بينت وقائع التاريخ أن الحسم العسكري منذ أحداث الجبل 1845، و1860، و 1983 لم يفرز حلا سياسيا مستداما، وظل مكتوبا على المكونين الدرزي والمسيحي أن يتابعا مسيرة الحياة الواحدة على الارض التي وجدا عليها منذ مئات السنين ، وهي اليوم – بعد الامتحانات الصعبة والدامية- على قدر من التماسك. وكذلك أحداث العام 1920 التي طالت بلدة عين ابل الجنوبية ، لم تلبث أن طويت وعاد صفاء العيش ليخيم بين الشيعة والمسيحيين، كما تم تجاوز مشاركة الأول في الهجوم على زحله في أحداث الستين بعدما شاركوا أهلها في الدفاع عنها في الموجة الأولى من الهجوم في منتصف اربعينيات القرن التاسع عشر، مع ولادة بروتوكول 1861 الذي أسس لبروتوكول 1864 ونشؤ نظام المتصرفية ، وكذلك أحداث النبعة ذات الغالبية الشيعية في شرق بيروت العام 1976 إبان حرب السنتين. وفي نهاية المطاف بدا العيش الواحد بين ألمسيحيين والشيعة قدرا لا مفر منه على غرار ما آلت اليه الأمور في الجبل بين الموارنة والموحدين الدروز على اثر سلسلة المآسي التي هذه المنطقة التاريخية من لبنان. ولم تفلح أحداث العام 1958 ، ولا حرب السنتين العام 1975 وما تلاها من حروب متنقلة تضمر وتتسع غب حاجة من ينفخ في نارها إليها، في إدامة ما ارتفع من سدود ظرفية بين المسيحيين والسنة.وكان واضحا أن الخارج لأسباب سياسية – إقتصادية إستراتيجية وتكتيكية ، كان يحرك السكين في الجرح ويضرم نار الخلافات بمراكمة عوامل الحقد والحذر والكمون.ولكن الاوضح أن التفاهمات الدولية والاقليمية- لا الوعي اللبناني الجماعي الناتج من صدمات إيجابية ونقد ذاتي وشجاعة في الاقدام على تنقية الذاكرة- هي كانت وراء الاستقرار وما خلفه من إزدهار في لبنان، ولئلا ننبش طويلا في دفاتر التاريخ ، يكفي التذكير بفترة الهدؤ والعمران والدخول في الحداثة من بابها الواسع التي اعقبت أحداث 1958 وبروز نظام إقليمي جديد شكل في جانب منه نقطة تقاطع بين الولايات المتحدة الاميركية والجمهورية العربية المتحدة بزعامة الرئيس جمال عبد الناصر واغضاء ضمني من الاتحاد السوفياتي، وتمثل هذا التحول الايجابي بعد فترة من التوتر والاحداث الدامية إمتدت من العام 1956 إلى العام 1958-بسبب الاحلاف وسقوط الملكية بالعراق ومحاولة الاطاحة بالملك حسين في الاردن والسعي الفاشل لارغام الرئيس كميل شمعون على مغادرة منصبه قبل انتهاء ولايته الدستورية- بلقاء الرئيس اللبناني المنتخب اللواء فؤاد شهاب والرئيس عبد الناصر تحت خيمة نصبت على الحدود اللبنانية – المشتركة بجديدة يابوس في الخامس والعشرين من آذار 1959، ايذانا بفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين. خدمت هذه المرحلة ” عسكريتها” وتلاها فترات غير مستقرة قادت مع تقلب الظروف والتطورات إلى حرب السنتين بدءا من الثالث عشر من نيسان 1975. صحيح ان هذه الحرب وضعت اوزارها بسبب تفاهمات دولية – إقليمية، وانتر عربية مرحلية، لكن إتفاق الطائف في العام 1989، عكس إرادة دولية وعربية ( بإستثناء العراق في زمن صدام)في وقف الحرب والسير في نظام سياسي جديد ، استمد قوته من معادلات سياسية عرفت وقتها بالسين- سين ورضى أميركي – فرنسي، بقي ثابتا رغم الاهتزازات، والحروب الإسرائيلية المتنقلة وما نتج عنها من مواجهات، وتفاهمات (تفاهم 26 نيسان 1996) عقب عملية ” عناقيد الغضب” التي أقدمت عليها تل ابيب ، وصولا الى صدور قرار مجلس الامن الدولي الرقم 1559 الذي كان نقطة تحول أعادت تشكيل التوازنات الداخلية وتقليص قبضة النظام السوري السابق، وبدا ذلك بوضوح بعد إغتيال الرئيس رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط 2005. وتستمر ” البانوراما” من حرب تموز 2006، وحرب” الاسناد” 2023، وما تبعها من حرب طاحنة لا يزال لبنان يعيش تحت وطأتها بعدما اطاحت إسرائيل باتفاق السابع والعشرين من تشرين الثاني 2024، واستقوت بورقة البنود الثمانية الموقعة بينها وبين واشنطن لجهة تغطية اي خرق تعمد اليه “بذريعة الضرورة الامنية”. وهنا لا يمكن القفز فوق الدور الايراني المباشر وغير الموارب الذي يتصدر المشهد في دعم ” حزب الله” على جميع المستويات . كما يجب الاقرار انه في جميع المراحل التي مر بها لبنان منذ منتصف الستينيات حتى اليوم لم ينحسر ظل الدولة العبرية، ولو بأشكال شتى وكان لتدخلاتها أثر يتجاوز الاسباب العسكرية والامنية التي تتذرع بها، وهو امر يستحق التوقف عنده مفصلا. في الخلاصة لا يمكن، بناء على المعطيات التاريخية والواقعية المتوافرة إلا تسجيل آلاتي: – ليس أمام اللبنانيين الا وحدتهم، التي يفترض أن تتقدم عندهم على اي إعتبار آخر. والاقتناع بأن أحدا لا يستطيع أن يلغي آلاخر ويختطف منه دوره. وبهذه الوحدة معطوفة على قبول آلاخر والحق في الاختلاف يمكن إدارة التنوع وبناء النظام السياسي القادر على تحصين نفسه في وجه التحديات مهما عظمت. – التنوع الطائفي وتعدده لا يلغي إمكان قيام الدولة المدنية، دولة الحق والقانون. – ألاقتناع بأن فصل لبنان عن الصراعات الدولية والاقليمية ، وما يمكن أن تعكسه من ايجابيات وتداعيات، هو من الصعوبة بمكان ويصطدم بالكثير من الاعتبارات المعقدة ، للأسباب الواردة في ما سبق. وأن إجتناب الوقوع في براثن هذه الصراعات أو القدرة على التملص منها، يعود إلى معرفة تعاطي اللبنانيين مع مصادرها وفكفكة الألغام الموقوتة التي تهدد بلدهم. وليس التحول إلى بوق وأداة لهذه الجهة أو تلك. -طالما أن الكلمة الفصل ليست بيد اللبنانيين الذين انقسموا إلى محاور ، وبات كل منهم يشايع جهة ويبايعها الولاء ويتبنى ” أجندتها”، فان الذهاب في مكاسرة داخلية تهدد السلم الاهلي هي مغامرة عابثة ومجانية، لأنه عندما يقبل زمن الحل، فانه سينزل على الجميع بصورة ” هبوطية” ولن يكون بالإمكان رده. من هنا لا يمكن الاقلال من أهمية الدعوة إلى التلاقي، ولو ضمن مشتركات الحد الأدنى التي تحفظ السلم الاهلي وتهيء الأجواء لحوار جاد عندما يحين أوانه. هذه المشهدية ليست عرضا تاريخيا، ولا موعظة، إنما هي قراءة لما بين، ولما يتجاوز أسطر حديث وليد جنبلاط ” رادار ” السياسة اللبنانية، والقاريء المميز في كف السياسات الدولية والاقليمية، وتأثيرها على البلدان صغيرها وكبيرها، وهو لا يسقط في ” الجيوبوليتيك” نظرية ” الأوعية المتصلة” LES VASES COMMUNICANTS، بدليل حديثه الواقعي عن مخاطر سقوط سوريا الموحدة على المنطقة باسرها.