صفحات مطوية من أمس قريب وبعيد..قصة ترؤس البطريرك صفير مأتم ريمون إده عميد لبنان (حبيب شلوق)


كان يوم أربعاء في 10 أيار 2000 عندما اتصل بي الوزير الصديق مروان حماده من “الأوريان لوجور” في الطبقة السابعة في “نهار” الحمراء إلى الطبقة الثالثة حيث أنا وقال لي حبيب “ريمون راح”.
يومها أبلغتُ مَن تيسّر من من أهلي وأصدقائي أن لا مجال للإتصال بي لأن العميد رحل، وأنا خارج السمع.
ما أصعبها ساعة.
إلى دارة ريمون إده في محلة الصنائع ــ الحمراء توجّهنا: الأستاذ غسان تويني، الأستاذ مروان حماده،الأستاذ ميشال أبو جودة، الأستاذ فرنسوا عقل ، الأستاذ جوزف نصر، جبران تويني، وأنا، ووافانا النواب البر مخيبر ومخايل ضاهر وحسن الرفاعي وآخرون، وخلال اللقاء استقر الرأي على أن أذهب إلى بكركي صباح اليوم التالي لأدعو البطريرك مار نصرالله بطرس صفير باسم المجتمعين وجميعهم أصددقاء ،إلى ترؤس الصلاة لراحة نفسه يوم الأحد 14 أيار، في كاتدرائية مار جرجس في بيروت، لكن في المقابل ثمة مَن رأى من المحازبين تأليف وفد لزيارة البطريرك وتوجيه دعوة باسم الحزب، وأمام أخذ ورد وطلب الموعد ، الذي حُدّد في التاسعة من اليوم التالي أي الخميس 11 أيار، اتفقنا أن ألتقيهم في الصرح.
وكالعادة كنت في بكركي الساعة السابعة صباحاً، وبادرني أمين سر البطريرك الخوري ميشال عويط معزياً ومثله فعل أمين سر البطريركية المونسنيور يوسف طوق لمعرفتهما علاقتي بالراحل ومشينا إلى الصالون الكبيرالملاصق لجناح البطريرك صفير وماهي إلا لحظات حتى أطل البطريرك بعدما أبلغه أبونا ميشال “أن حبيب ينتظرك في الصالون”.
أذكر جيداً أن البطريرك تقدم في اتجاهي وأنا سرت نحوه وكان عناق للمرة الأولى بيني وبينه إذ كان اللقاء بيننا لا يتخطى السلام وتقبيل اليد منذ معرفتي به في بداية السبعينات وحتى وفاته في 12 أيار 2019 .
مؤلمة دموع البطريرك “الكتلوي” تنحدر على وجنتيه ومنهما إلى ثيابي مع عبارة ردّدها مراراً :” ضيعانو العميد… ضيعانو العميد…”.
وهنا دخلنا في الموضوع بعد مغادرة المونسنيور طوق والخوري عويط، فشرحت له أنني موفد من اجتماع في بيت العميد مع تحيات وتمنيات من تويني وأبو جوده وعقل ونصر ومروان ومخيبر وضاهر وغيرهم الذين كانوا في بيت الصنائع، وأذكر أنه قال لي:” لا أستطيع إذ ثمة بروتوكول يجب اتباعه”، فأجبته “أنت سيدنا ترأست مأتم الشيخ بيار الجميل في بكفيا”، فرد بسرعة بديهة لا يضاهيه فيها أحد:”هو والد رئيسين للجمهورية” وأضفت “وترأست مأتم السيدة جنفياف الجميل”، فرد بالسرعة نفسها :”وهي والدة رئيسين”.
وهنا ردّيت ببديهة “لا بأس بها”: ” ريمون إده لو قبل الإرتهان لهذه الجهة أو تلك لأصبح رئيساً للجمهورية أكثر من مرة”.
وهنا أشار إلي بحركة بالإبهام والأصبع الوسطى توحي بالإقتناع وقال:” انزل وقل لهم أنني سآتي”.
وخرجت إلى الصالون حيث بدأ تجمع الوفد الكتلوي ومنهم شوقي أبي صالح وجوزف العم وجوزف مراد فبادرتهم : “انتهت سيترأس الجنازة”.
ويوم المأتم وفي حضور أكثر من رئيس سابق للجمهورية وكل رؤساء الأحزاب وكان ثمة ممثل للرئيس السوري حافظ الأسد، صلّى اللبنانيون لراحة نفس العميد الضمير وحملوه من مار جرجس إلى مدافن العائلة في رأس النبع بعدما حملوه من الصنائع إلى مار جرجس. وقال البطريرك صفير في عظته :” لو كان للفقيد الكبير العميد ريمون إده الذي نودّع أن يتخذ لاتخذ في اعتقادنا هذه الآية من سفر الأمثال:”لهاتي تهذ بالحق، وشفتاي تمقتان النفاق”.
وأضاف:”… ولكان (العميد إده) جلس على سدة الرئاسة ، لو تزحزح قيد أنملة عن ثوابته وساوم للحظة على مبادئه أو بدّل للمحة من إقتناعاته”.
ما أشبه هذه العبارة بالعبارة التي ألقاها المطران بولس عقل في مأتم والده الرئيس إميل إده:”نعشك عرشك وعروشهم نعوشهمّ، أنت ميت حي وهم أحياء أموات”.
يبقى أن نذكر أن ثمة تصرفاً ممجوجاً حصل خلال الجنازة إذ توقفت الصلاة مع انطلاق “الله أكبر ” من جامع محمد الأمين الذي بناه الرئيس رفيق الحريري ونصفه في أملاك مطرانية بيروت المارونية لتتوقف صلاة مار جرجس.
سوء تصرف.