من رصيف واشنطن إلى البيت الأبيض:حكاية لبنانيّين و”إمبراطور”إيلي الحاج-“المدن”

لم يعرف التاريخ رئيساً للولايات المتحدة الأميركية قرّب إليه لبنانيّين وسلّمهم مواقع ومسؤوليات في إدارته واستمع إليهم كما فعل الرئيس الحالي دونالد ترامب. قد تكون المصادفات هي التي أدخلت ابن كفرعقّا في الكورة إلى عائلته، ولكن عداك عن أصدقائه الشخصيين الذين أوكل إليهم مهمات رسمية، من طوم برّاك إلى ميشال عيسى ومسعد بولس وسواهم مع حفظ الألقاب، ثمة حشد من اللبنانيين والمتحدرين المرتبطين بأصولهم انفتحت أمامهم على وسعها أبواب التأثير في مواقع القرار وصناعة الرأي العام، مما لم يكن ليحلم به “آباء الجالية” المؤسسون لما صار ممكناً تسميته “اللوبي اللبناني” في الولايات المتحدة.
​شارل مالك، مُلهم بشير الجميّل في السياسة الخارجية، نبّهه إلى أهمية تنظيم “لوبي” في الولايات المتحدة لأن موازين القوى تمر بواشنطن ولا تُحسم في الداخل. كانت “حرب المئة يوم” صيف 1978 بين الجيش السوري وميليشيات “القوات اللبنانية” غير الموحدة عملياً آنذاك، اختباراً للقدرة على إيصال الصوت إلى إدارة الرئيس جيمي كارتر، الذي كان يتولى سياسته الخارجية الوزير سايروس فانس ويولي الأهمية القصوى لعملية سلام بين مصر وإسرائيل توّجها توقيع اتفاقية “كامب دايفيد” في أيلول/ سبتمبر 1978. سارت تظاهرات صاخبة في عواصم الدول التي تضم لبنانيين ومتحدرين ضد ممارسات “الردع السوري” العنيفة جداً آنذاك.
​أنشأ بشير “المكتب الأميركي” كي يتولى العلاقة بواشنطن، ترأسه شارل مالك وضم إيلي سالم، عبد الله بو حبيب، ألفرد ماضي وآخرين. وكُلّف ألفرد ماضي لاحقاً بمهمة إنشاء مكتب لـ “القوات” في واشنطن، تعاون فيه مع سياسيين وشخصيات بارزة ورجال أعمال ومحامين مؤثرين وجمعيات كنسية لبنانية، لا سيما الموارنة حيث يشكلون نحو 90 رعية في أبرشية مار مارون بروكلين (شرق) وأبرشية سيدة لبنان لوس أنجلس (غرب). يصل عدد اللبنانيين الموارنة مع المتحدرين في الولايات المتحدة إلى نحو مليون بحسب إحصاءات كنسية، أما المسجلون المنتظمون في الكنائس فهُم نحو 100 ألف. وكما في لبنان، لا يكمن تأثيرهم في العدد بل في الأدوار والعلاقات القوية التي تربطهم بدوائر القرار في مجالات شتى.

​غذّت حرب 1975 وأعمال التهجير التي رافقتها الجالية اللبنانية بدم جديد من خلال أجيال شابة تدافع بحماسة عن “قضية لبنان” وفق ما تعرضها غالباً أحزاب المسيحيين. وكما في “الوطن الأم” كذلك في المهجر، ينقسم “أبناء البلاد” في الولايات المتحدة. يمكن القول إن المسيحيين اليمينيين يؤيدون الحزب الجمهوري، خصوصاً في عهد ترامب، بينما يؤيد المسلمون والعلمانيون الحزب الديمقراطي. تعود هجرة معظم اللبنانيين المسيحيين إلى أربعة أجيال أو خمسة، بدأت زمن المتصرفية في ثمانينيات القرن التاسع عشر، فيما هجرة اللبنانيين المسلمين حديثة. بدأت هجرة الشيعة في ستينيات القرن الماضي ونشطت منذ السبعينيات، يراوح عددهم من 200 ألف إلى 250 ألفاً، لكن سياسات “الثنائي” تكبّل عموماً نشاطهم السياسي المتعلق بلبنان والصراع في المنطقة.

بشير مجهولاً في 1977 يتناول قرن بوظة على رصيف في واشنطن

​لم يستقبل أحدٌ من الإدارة الأميركية بشيراً عندما زار واشنطن سنة 1977. تعاملوا معه كواحد من “زعران الميليشيات” في حرب لبنان. سمحت له “مجهوليته” على ما يروي الرواة بتناول “قرن بوظة” واقفاً على رصيف أحد شوارع العاصمة الأميركية، يتأمل بحر السيارات والناس العابرة. انقلبت الصورة تماماً في زيارته الثانية للعاصمة الأميركية سنة 1981، حيث استقبله كبار المسؤولين وعاد إلى بيروت أقوى المرشحين لرئاسة الجمهورية المقبلة.
​والحال أن أنشطة محمومة للجالية في الولايات المتحدة بإدارة “المكتب الأميركي” في بيروت ومكتب “القوات” في واشنطن خلال حربي “الأشرفية” في 1978 و”زحلة” في 1981 كانت ذات مفعول كبير، إذ أمطرت مكاتب البيت الأبيض ووزارة الخارجية وعشرات الشيوخ والنواب والحكّام والمسؤولين البارزين بسيول من الاتصالات الهاتفية والرسائل والبرقيات على مدى ساعات النهار والليل، متوسلة تحرك الولايات المتحدة لردع “قوات الردع” السورية عن ارتكاب “إبادة” في المناطق اللبنانية التي تعاندها.
نجحت الحملة المنظمة وجاء إلى بيروت الدبلوماسي اللبناني الأصل فيليب حبيب، وكان يحظى باحترام كبير في الإدارة، موفداً من الرئيس رونالد ريغان، وتمكن من التوصل إلى حل لما سُمي “أزمة الصواريخ” التي جرّ إليها بشير سوريا وإسرائيل لاعباً على خطوط التوتر الإقليمي العالي جداً، مما لفت إليه فيليب حبيب فأوصى بمحاورة القائد الشاب في تقاريره. (جميع المراسلات والوثائق الدبلوماسية والاستخباراتية المتعلقة بتلك الحقبة بعشرات الآلاف وباتت متاحة عبر الإنترنت من الأرشيف الوطني الأميركي للصحافيين والباحثين والجمهور، وأيضاً في مكتب المؤرخ في وزارة الخارجية، بموجب قانون حرية المعلومات الذي يرفع السرية عن المحفوظات بعد مرور 30 سنة على الأحداث، باستثناء التي لا تزال مصنفة استثنائياً سرية جداً. من أوائل الذين اهتدوا إليها وبدأوا التنقيب فيها الأستاذ الجامعي والباحث الدكتور هشام بو ناصيف).

الدور الكبير للبطريرك صفير في واشنطن

​بعد الاندحار الكبير للأحزاب والقوى المسيحية في التسعينيات، حرص البطريرك الراحل نصر الله صفير على إبقاء الجذوة مشتعلة، فزار الولايات المتحدة خمس مرات طغى عليها الطابع السياسي بين 2001-2008، إضافة إلى زيارات أخرى راعوية استمرت إحداها ستة أسابيع، والتقى مرتين الرئيس الأميركي جورج بوش الابن، أولاهما في توقيت حساس بعيد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في بيروت واندلاع “انتفاضة الاستقلال” في آذار/ مارس 2005، واستقبله الرئيس بوش مع الوفد الذي رافقه آنذاك علامة احترام، وثانيتهما في أيار/ مايو 2008 بعد أحداث 7 أيار و”اتفاق الدوحة”.
كان غطاء البطريركية المارونية محورياً في التنسيق بين قوى الداخل المعارضة للوصاية السورية على لبنان، وتحديداً “لقاء قرنة شهوان”، ومنظمات الجالية وشخصياتها البارزة في الولايات المتحدة. تجلّى نجاح التنسيق في “المؤتمر الماروني العالمي” الذي انعقد في لوس أنجلس حزيران/ يونيو 2002، وخرج بتوصية تاريخية إلى الكونغرس الأميركي بإقرار “قانون محاسبة” يحمّل سوريا مسؤولية سياساتها في لبنان ويفرض عليها عقوبات إذا لم تسحب جيشها وتوقف دعم منظمات تعتبرها واشنطن “إرهابية”.
​شكّل المؤتمر قوة دفع قانونية أدت إلى توقيع الرئيس جورج بوش على القانون في 12 كانون الأول 2003، وأثار غضباً شديداً في دمشق وعنجر وبعبدا أيام إميل لحود، لا سيما لمشاركة وفد من “لقاء قرنة شهوان” في أعماله ومواكبته سياسياً وإعلامياً من بيروت.

​وأدت هجمات “القاعدة” بقيادة أسامة بن لادن في 11 أيلول/ سبتمبر 2001 على برجي نيويورك والبنتاغون، إلى تركيز الأضواء الإعلامية على شخصيات وباحثين وأكاديميين بارزين في الجالية اللبنانية، باعتبارهم يتكلمون العربية وعارفين بشؤون دول الشرق الأوسط وشعوبها و”الإسلام السياسي المتشدد”.

الخيبة من ميشال عون وصعود ترامب: حين قرر الاغتراب اللبناني قيادة الدفة

​لكن علاقات التنسيق السياسية تراجعت كثيراً بين لبنان و”اللوبي” في الولايات المتحدة برحيل البطريرك صفير وتداعي قوى 14 آذار تدريجاً حتى اضمحلالها. يمكن القول إن مَن يعتبرون أنفسهم “قوى لبنانية سيادية” هناك استقلّوا عن المركز في “الوطن الأم”، من أحزاب وكنيسة وزعامات سياسية. وفي عهد الرئيس ميشال عون، الذي شكّل لهم خيبة عظيمة، أخذوا يرسمون حلولاً لأزمات لبنان يسعون إلى تطبيقها مستغلين نفوذهم وعلاقاتهم بالمجتمع السياسي الأميركي.
ومع عودة الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض مطلع 2025 بلغوا ذروة دورهم وتأثيرهم، ليس في لبنان فحسب بل في المنطقة حوله. بالطبع ثمة شخصيات ديمقراطية مهمة في الجالية، لكن الفاعلية في هذه المرحلة للجمهوريين المتشددين، جماعة “ماغا”.

والجديد الذي طرأ في السنوات الأخيرة أن عناصر هائلة الثراء والعلاقات والتصميم دخلت بقوة “اللوبي اللبناني” في أميركا واللعبة السياسية في الوطن الأم. صار اللوبي شريكاً في هذه الخريطة السياسية يُحسب حسابه على غرار الأحزاب الرئيسية، من خلال دوره في صناعة الرأي العام اللبناني، بخاصة في البيئة المسيحية. هناك محطات تلفزيونية وصحف وعشرات المواقع الإعلامية والبودكاستات والجمعيات والهيئات تتغذى وتتوجّه من هذا اللوبي الواصل إلى دونالد ترامب، الحاكم في العالم كامبراطور روماني متخفف من الشيوخ الديمقراطيين.
يعرف الرئيس جوزف عون جيداً، لا سيّما من خلال بعض مساعديه، الفاعلين في اللوبي اللبناني وهم يعرفونه. مشكلته معهم أنهم يفكّرون على غرار ترامب والحكّام الشباب الجُدد في العالم العربي. يتوثّبون إلى سلام دائم يتيح تنمية ومشاريع واستثمارات، ويُصنّفون سياسياً وأُسلوباً على يمين بشير الجميّل وطلوع. لا يستطيع جوزف عون اللحاق بهم.