المحامي ميشال فلاّح
أعادت التحولات التي شهدتها سوريا منذ أواخر عام 2024 قضية الجولان إلى دائرة الاهتمام، ولكن من زاوية تتجاوز النزاع السوري ـ الإسرائيلي المباشر. فتغير السلطة في دمشق، وتبدل موازين القوى، والتحركات العسكرية الإسرائيلية في منطقة الفصل وما وراءها، أوجدت وقائع سياسية وأمنية جديدة، من دون أن يواكبها تحول مماثل في المركز القانوني للإقليم.
وتكمن أهمية الجولان اليوم في أنه يمثل حالة نموذجية لاختبار إحدى أكثر قواعد القانون الدولي رسوخاً: السيطرة الفعلية على الأرض لا تنشئ بذاتها سيادة عليها، والاحتلال، مهما طال، لا يتحول بفعل الزمن إلى سند قانوني لاكتساب الإقليم.
احتلت إسرائيل معظم مرتفعات الجولان السورية في حرب حزيران 1967. وفي 22 تشرين الثاني من العام نفسه، أصدر مجلس الأمن القرار 242، الذي أكد «عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب»، وربط إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط بانسحاب القوات الإسرائيلية من أراضٍ احتلت في النزاع الأخير. وقد أصبح هذا المبدأ، إلى جانب حظر استخدام القوة الوارد في المادة 2/4 من ميثاق الأمم المتحدة، أساساً قانونياً مركزياً في معالجة النزاعات الإقليمية الناشئة عن الحرب.
وأعادت محكمة العدل الدولية تثبيت القاعدة في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز 2024 بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة، مؤكدة أن الاحتلال لا ينقل سند السيادة، وأن اكتساب الأرض بالقوة محظور بموجب القانون الدولي. ورغم أن الرأي يتعلق بالأرض الفلسطينية وليس بالجولان، فإن المحكمة طبقت فيه قواعد عامة في القانون الدولي تتجاوز الحالة المعروضة أمامها.
وهنا يظهر الفارق الجوهري بين الاحتلال والضم. فالاحتلال يقوم على ممارسة سلطة فعلية على إقليم لا تملك الدولة المحتلة السيادة عليه، ويبقى، من حيث طبيعته القانونية، وضعاً مؤقتاً. أما الضم فيسعى إلى تحويل هذه السيطرة إلى سيادة دائمة.
وقد تجسد ذلك في الجولان في 14 كانون الأول 1981، عندما قررت إسرائيل فرض قوانينها وولايتها وإدارتها على المنطقة. وبعد ثلاثة أيام، أصدر مجلس الأمن بالإجماع القرار 497، معتبراً الإجراء الإسرائيلي «باطلاً ولاغياً وليس له أثر قانوني دولي»، وطالب بإلغائه، مؤكداً استمرار انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي السورية المحتلة منذ عام 1967.
وبذلك انفصلت فعالية السيطرة عن شرعية السيادة. فالدولة تستطيع فرض قانونها الداخلي على أرض تسيطر عليها، لكنها لا تستطيع، بتشريع أحادي، إنشاء سند للسيادة يحتج به في مواجهة القانون الدولي.
من بطلان الضم إلى واجب عدم الاعتراف
لا يقف القانون الدولي عند اعتبار الضم غير مشروع، بل يرتب، في مواجهة الانتهاكات الجسيمة لبعض قواعده الأساسية، التزامات على الدول الأخرى أيضاً. وقد أرست محكمة العدل الدولية أساساً مهماً لذلك في رأيها الاستشاري بشأن ناميبيا عام 1971. فبعد اعتبار استمرار وجود جنوب أفريقيا في ناميبيا غير مشروع، قررت أن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ملزمة بعدم الاعتراف بشرعية الوضع الناشئ عنه، والامتناع عن تقديم العون أو المساعدة في استمراره.
وتبلور هذا الاتجاه لاحقاً في مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول لعام 2001. فالمادة 41 تقرر، بالنسبة إلى الانتهاكات الجسيمة لالتزام ناشئ عن قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام، واجب عدم الاعتراف بالوضع الناشئ عن الانتهاك باعتباره مشروعاً، وعدم تقديم العون أو المساعدة في المحافظة عليه، إلى جانب التعاون بالوسائل المشروعة لإنهائه.
ومن هذه الزاوية تكتسب الخطوة الأميركية عام 2019 بالاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان دلالة قانونية خاصة. فالاعتراف الصادر عن دولة، مهما بلغ وزنها السياسي، لا يعدل بذاته المركز القانوني للإقليم ولا يلغي القرار 497. كما أن الاعتراف لا يشكل مصدراً مستقلاً لاكتساب السيادة عندما يكون أصل الوضع مرتبطاً باستخدام القوة. فالاعتراف قد يمنح الأمر الواقع وزناً سياسياً، لكنه لا يكفي لتحويله إلى حق قانوني.
الاحتلال الطويل لا يصنع السيادة
تضاف إلى قواعد حظر استخدام القوة أحكام قانون الاحتلال، ولا سيما لائحة لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949. فالقوة القائمة بالاحتلال لا تتصرف بالإقليم بصفتها صاحبة السيادة، وإنما تمارس سلطة مؤقتة تقيدها قواعد القانون الدولي الإنساني.
ومن أبرز المسائل التي يثيرها الجولان في هذا الإطار الاستيطان والتغييرات السكانية والإدارية. وقد واصلت الأمم المتحدة في تقاريرها الحديثة استخدام وصف «الجولان السوري المحتل»، بما في ذلك عند تناول المستوطنات الإسرائيلية وآثارها القانونية والحقوقية.
كما أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها لعام 2024 أن طول أمد الاحتلال لا يغير بذاته مركزه القانوني، وأن السياسات الهادفة إلى إنشاء وجود دائم وغير قابل للعكس لا تمنح الدولة المحتلة السيادة. وأعادت، في الوقت نفسه، تأكيد التزام الدول الأخرى بعدم الاعتراف بالوضع غير المشروع وعدم تقديم العون أو المساعدة في استمراره.
سوريا الجديدة والدولة المستمرة
أما تغير السلطة في دمشق فيستدعي قاعدة قانونية أخرى، الدولة ليست هي الحكومة. فتغير نظام الحكم لا يؤدي في ذاته إلى زوال الشخصية القانونية الدولية للدولة أو سقوط حقوقها الإقليمية. الحكومات تتغير، بينما تستمر الدولة، من حيث الأصل، حاملة لحقوقها والتزاماتها الدولية.
وعليه، فإن سقوط النظام السوري السابق لم يحول الجولان إلى أرض بلا صاحب، ولم ينشئ لإسرائيل سنداً جديداً للسيادة عليه. كما أن ضعف الدولة أو اضطراب مؤسساتها لا يشكل سبباً قانونياً لاكتساب أجزاء من إقليمها. وتكتسب هذه القاعدة أهمية إضافية مع التطورات التي أعقبت كانون الأول 2024 والتحركات العسكرية الإسرائيلية داخل منطقة الفصل المنشأة بموجب اتفاق فصل القوات السوري ـ الإسرائيلي لعام 1974 وما حولها. فهذا الاتفاق وضع ترتيبات عسكرية وأمنية، وأوجد منطقة فصل تشرف عليها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «أندوف»، لكنه لم يكن معاهدة سلام، ولم ينقل السيادة، ولم يحول خطوط الفصل العسكري إلى حدود دولية.
ما يتغير وما لا يتغير
بعد قرابة ستة عقود على حرب 1967، تغيرت معظم العناصر السياسية المحيطة بالجولان. تغير النظام في سوريا، وتبدلت موازين القوى الإقليمية، وترسخت وقائع استيطانية وإدارية، وصدر اعتراف أميركي بالسيادة الإسرائيلية، ثم أضيفت منذ أواخر 2024 وقائع عسكرية جديدة. لكن المركز القانوني الأساسي لم يتغير. القرار 497 ما زال قائماً، والأمم المتحدة ما زالت تتعامل مع الجولان بوصفه أرضاً سورية محتلة، ومبدأ عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة ما زال قاعدة أساسية في النظام القانوني الدولي.
ومن ناميبيا عام 1971، إلى الجولان والقرار 497 عام 1981، وصولاً إلى رأي محكمة العدل الدولية عام 2024، يمتد خيط قانوني واضح، الوضع غير المشروع لا يصبح مشروعاً لمجرد استمراره، والدول الأخرى لا تملك حرية مطلقة في التعامل معه كما لو أنه اكتسب الشرعية بمرور الزمن.
وهنا تتجاوز قضية الجولان حدود النزاع السوري ـ الإسرائيلي. فإذا كان الزمن والسيطرة الفعلية كافيين لتحويل الأرض المكتسبة بالقوة إلى سيادة، يفقد مبدأ حظر الاستيلاء على أراضي الغير جانباً أساسياً من مضمونه. قد تفرض القوة واقعاً يستمر عقوداً، وقد يعجز القانون الدولي عن إنهائه. لكن العجز عن إزالة الواقع شيء، ومنحه الشرعية شيء آخر.
وفي الجولان، بعد ما يقارب ستين عاماً، ما زال القانون الدولي يميز بين الاثنين.


