عودة بالذاكرة إلى تأبين المرحوم النائب الدكتور انطون سعيد في المجلس النيابي سنة ١٩٦٥.
عقد مجلس النواب جلسته الثامنة من العقد العادي الأول لسنة 1965 في الساعة السادسة من بعد ظهر يوم الخميس الواقع في الثالث عشر من أيار سنة 1965 برئاسة دولة الرئيس السيد صبري حمادة.
حضرات النواب المحترمين، توارى نهار أمس وجه من الوجوه اللبنانية هو النائب الدكتور انطون سعيد.
لقد خسرت البلاد هذا النائب النشيط الذي شق طريقه بنفسه إلى أن توصل لأن يخدم لبنان بأسره إن كان في مهنة الطبابة أو على كرسي النيابة.
فالمجلس باسم حضراتكم يعلن خمس دقائق صمت حداداً عن روحه الطاهرة.
فوقف الحضور خمس دقائق صمت حداداً.
الرئيس: استؤنفت الجلسة، والكلمة لدولة نائب رئيس مجلس الوزراء.
نائب رئيس مجلس الوزراء: ان الحكومة إذ تشارك المجلس الكريم الحداد على الفقيد الغالي الذي خر صريعاً وهو يقوم بواجبه الإنساني بعد ما كان يقوم بواجبه الوطني في هذا المجلس الكريم، نأسف على فقدان هذا الشاب الذي أعطى كل ما يمكن أن يعطيه لبناني مخلص، والذي ضحى حتى آخر نسمة من حياته في سبيل واجبه الوطني والإنساني وتتقدم من مجلسكم الكريم ومن آل الفقيد بأحر التعازي سائلة المولى أن يسكنه فسيح جنانه.
الرئيس: الكلمة لحضرة النائب المحترم الأستاذ كمال جنبلاط.
كمال جنبلاط : وجه صبوح أنيق، فيه ملامح الشهامة والرفعة، وهذه الإنسانية التي أوحت إليه عمل الخير ما اتسع له جنانه وما مكنه جهده اليومي أن يفعله، وطني غيور منفتح على المبدأ الاجتماعي الذي لأجله كرس حياته. وطبيب من أقدر أطباء هذا البلد، طبيب الروح والجسد في آن واحد لما اتسم به من خلق رفيع وروحية منفتحة. لبناني مؤمن ببلاده ومؤمن بانفتاح هذا البلد على دنيا العروبة والبشرية الأوسع، رب عائلة مثالي، نائب بيننا عرفناه فعرفنا الصدق والأمانة والوفاء والرجولة في كل خطرة من خطراته، والبعض منا عرفه عن قرب أكثر فكان مثال الصديق الوديع الذي يتمثل في أيام الصعاب واللين، هذا هو الوجه الصبوح الأمين الشريف الذي يفقده هذا المجلس، فإننا نتقدم بتعازينا من آله ومن المواطنين اللبنانيين ليس فقط في قاعدته جبيل بل بكل أنحاء لبنان حيث كان له يد مساهمة بالخير والإنسانية.
الرئيس: الكلمة لحضرة النائب المحترم الأستاذ نهاد بويز.
نهاد بويز: ذهب عنا ونأى، فالذي كان يصح فيه في حياته يصح فيه اليوم بعد مماته.
رفيقنا وطبيبنا في المنطقة وفي لبنان الدكتور انطون سعيد يعمل كإنسان في كل ما في هذه الكلمة من مغزى ومن رمز ومن معنى ويعمل كطبيب، ويعمل كمواطن لبناني منفتح على كافة حقول العمل والاجتهاد والإنسانية.
أما الإنسان فأعماله التي ناء تحت عبئها كانت كافية لأن تدل عليه الدلالة الواضحة وعن عمله الطيب المجيد في حياته، وأما الطبيب والمبضع الذي عمل لا من أجل الدرهم بل من أجل الخدمة العامة، بل من أجل تخفيف الوجع، بل من أجل تخفيف وطأة المعنويات على المريض في مستشفاه الذي كان يعمل فيه ليلاً، لهو أيضاً الدليل كل الدليل على الطبيب الإنساني الدكتور انطون سعيد.
أما الدكتور انطون سعيد المواطن العامل في حقل الخدمات الفردية وهي التي تميز النائب فقد كان الرسول والوكيل عن تلك الفئات الشعبية التي انتدبته ليكون رسولاً أميناً وخادماً طيعاً متواضعاً لأن الخدمات الفردية هي الدور الأول، أيها الرفاق، الذي يجب أن يلعبه النائب بهذه الصفة ولا يجب أن يتململ منه الموظفون حين يراجع بكل آونة وفي كل وقت، وفي كل ظرف.
أما الدكتور انطوان سعيد المواطن المنفتح على لبنانيته في كل الحقول وفي كل الحالات وهو الذي عرفناه ينبض بدم، وينبض بقلب وينبض بكل ما أوتي من عافية في تلك المرحلة الدقيقة التي عمل بها إنساناً وطبيباً ونائباً يعمل معنا وإلى جنبنا وإن اختلفت في بعض الأحايين السياسة المحلية فإن الهدف، الهدف اللبناني الذي كان عمله ونبراسه كان هدفنا جميعاً. والسلام عليك والتحية العاطرة إليك في مثواك الطيب. وعزائي إلى بلاد جبيل العريقة وإلى عائلته وإلى رفاقه في هذا المجلس وخارج هذا المجلس.
الرئيس: الكلمة لحضرة النائب المحترم الدكتور ألبير مخيبر.
ألبير مخيبر: دولة الرئيس،
ان موت الزميل النائب والزميل الطبيب جعلني أفكر ببيت من الشعر لشاعرنا الكبير بشارة الخوري عندما كان يرثي الشاعر الشاب فوزي المعلوف قال:
عجبوا أن يموت في ريق العمر
ويطوي كالبرق سفر حياته
أهو العمر ما نعد له الأيام
أم بالجنى من ثمراته
الزميل النائب الطبيب الدكتور سعيد، فتى في عز الشباب ظهرت عبقريته في الطب وهو في عمر من الصعب جداً على طبيب أن يصل إلى القمة التي وصل إليها. والطب فتح له باب النهاية عن طريق الإنسانية الصرفة. والطبيب في هذا البلد يخدم ولا شك، وهذا ما يضفي على العائلة الطبية في لبنان شرف الخدمة وشرف التضحية.
الدكتور انطون سعيد سقط جندياً في ساحة الجهاد، سقط أثناء الخدمة، هذا هو الطبيب، هذا هو الإنسان في لبنان الذي نفخر به لأنه يعمل لغيره ويعمل لقريبه.
أتأمل دقيقة واحدة لآخذ عبرة عن حياة الزميل الطبيب وكم من الزملاء الأطباء في لبنان بنوع خاص يضحون في سبيل الفرد ويأخذون عن الحكم والحكومات منذ فجر استقلالنا حتى اليوم، يأخذون عن الحكومة ما كان من واجب الحكومة أن تقوم به. واني أتساءل: عندما يموت طبيب من درجة الدكتور انطوان سعيد، أتساءل من الناحية الاجتماعية: ماذا سيحل بالمرضى في هذه المناطق التي كان فرد واحد يقوم بمهام دولة فيها.
هنا العبرة من حياة الطبيب في لبنان، وهنا التضحية، انهما في هذا الدور الإنساني الذي يندفع إليه الطبيب في لبنان. على الحكومة بعد اليوم أن تأخذ مكان الأفراد، وهؤلاء الأفراد وهم كثر وللَّه الحمد في لبنان، يقومون دوماً بخدمة الناس وتلطيف جو البؤس واليأس عنهم، هؤلاء يقدرهم لبنان، ونحن بنوع خاص في هذا المجلس نقدر الزميل الراحل وقد قضى وهو يعمل جاداً بدون انقطاع، هذا الجهد الذي أودى بحياته.
وإذا كان لي اقتراح على هذا المجلس وعلى هذه الحكومة هو أن تقدر خدمات هذا الرجل الإنساني فتهديه وسام الاستحقاق اللبناني الرفيع الكبير الأكبر يا سيدي لأن التضحية في لبنان والخدمة الإنسانية يجب أن تتبلور وعلى الحكومة أن تقوم بهذا العمل فتكون قد كرمت هذا المجلس وهذا الشعب وكرمت العائلة الطبية في لبنان، وكرمت بالوقت نفسه الحكومة نفسها لأنها تكون قد قدرت القيم التي لا يمكن لنا أن نعيش بدونها.
الرئيس: الكلمة لحضرة النائب المحترم الأستاذ جعفر شرف الدين.
جعفر شرف الدين: بسمة الرضى تشع في عينيه، والكلم الطيب يفتر دائماً عن شفتيه، وخفقة الطيبة والإخلاص تعتلج أبداً بين جنبيه، ذلك هو الشاب الصريع الزميل الدكتور انطون سعيد الذي قضى في ساح جهاده تاركاً عائلة لا مالاً، تاركاً زغباً صغاراً لم يرتاشوا بعد، لم يبزع الريش في أجنحتهم تركهم صفر اليدين، علماً بأنه كان يستطيع أن يترك لهم مالاً وعقاراً، أن يترك لهم ثروة طائلة وهو الطبيب النطاسي الذي يحج إليه المرضى من كل حدب وصوب فيعالجهم وأجره على اللَّه.
لو أراد المرحوم الدكتور انطون سعيد أن يصبح غنياً لأصبح ذا ثروة. ونحن نرى أن كثيراً من الأطباء في هذا البلد أصبحوا الأغنياء الأول لأنهم اتخذوا الطب مهنة ولم يتخذ هو الطب مهنة ولكنه اتخذ الطب إنسانية وإنسانية فحسب.
زرته منذ شهرين في مستشفاه، زرت أحد مرضاه في مستشفاه فإذا بهذا المستشفى الصغير بحجمه كبيراً بمعناه، كبيراً بالحياة التي تضج فيه، فمن الممرضات إلى الممرضين إلى الأطباء وهو بينهم بدر مشع تشوبه غمامة حزينة تلك الغمامة التي تشوب البدر لدى كسوفه. انه كان خارجاً من عملية، وعملية متعبة مضنية. رأيت الصفرة تدب إلى أحمر خديه. وحين قضى، قضى أثر عمليات عديدة وكان قد نصحه بعض زملائه الأطباء بأن يقتصر على عملية واحدة فقام بواجبه كاملاً، وقيامه بواجبه كان يقف القدر وراءه، وصرعه القدر مخلفاً عائلة وأطفالاً ومواطنين كلهم يقدرونه، مخلفاً زملاء يحبونه ويحترمونه.
فإلى هذا المجلس الكريم بصورة عامة، وإلى زميليه الحزينين بصورة خاصة، وإلى مواطنيه أتقدم بأخلص التعازي.
الرئيس: الكلمة لحضرة النائب المحترم الدكتور أمين الحافظ.
أمين الحافظ: نقف اليوم أمام حادث جلل ونحن مروعين نتساءل عن السر الرهيب الذي يكتنف اختطاف الموت للشباب في زهرة الشباب، ولقد لوعنا القدر بفقدان شباب يانعين مجاهدين في هذا الأسبوع كان منهم الدكتور انطوان سعيد.
ذلك الزميل الذي ما عرفناه إلا رجلاً شهماً مقداماً، وما عهدناه إلا صاحب عقيدة يثابر فيها ويواصل العمل ويواصل الجد. ولقد كان الفقيد في جهاده مستكملاً لجميع ميادين الحياة، فهو مجاهد في الطب ومجاهد في السياسة، وهو الحاني والحادب على الفقراء، وهو المهتم بشؤون البلد من أقصاه إلى أقصاه.
نقف اليوم أمام أمثولة من أمثولات تعدد المواهب عند الفرد اللبناني الفذ، فلقد كان الدكتور انطوان سعيد بالفعل متعدد المواهب وهذا مما يزيد من حسرتنا لفقدانه، تلك المواهب اللبنانية الأصيلة التي تدعمها الأخلاق والتي يحدوها ويحفزها كثير من العقيدة والاقدام.
والذي كان يلفت النظر كثيراً في شمائل الدكتور انطون سعيد هو التمييز بين المتألق الزائف وبين الحقيقي الأصيل، فلقد كان ذلك الرجل الحقيقي الأصيل الذي يبتعد عن التألق الزائف والذي يبتعد عن بهارج الدنيا، فلقد كان يعي بأن العمل المنتج وان كل ما يمت إلى الجد والعلم بصلة هو خير وأبقى وهو الذي يعود على البلد بالخير والازدهار.
باسم نواب طرابلس نتقدم إلى عائلة الفقيد وإلى زملائه بأحر التعازي لفقدانه. والسلام عليكم.
إبنقرطباأولاً
Fares Souaid


