تجري اليوم في الديمان إحتفالية كبرى لمناسبة إعلان الفاتيكان البطريرك إلياس بطرس الحويك طوباويا . والحويك هو بطريرك انطاكية وسائر المشرق ال 72 للموارنه. وأثر عن هذا البطريرك العظيم قيادته لابناء طائفته وجميع سكان ما كان يعرف بالمتصرفية من كل الطوائف بحكمة وشجاعة في زمن المجاعة إبان الحرب الكونية الاولى( 1914- 1918)، واسهامه في إنقاذ من تبقى منهم من براثنها. كان هدف التجويع ذبح اللبنانيين، ولاسيما المسيحيين منهم، من دون إستخدام النار والبارود والسكين. اي ” الذبح من الامعاء” بدلا من الوريد. ومعاناة الحويك من أهوال الحرب وتداعياتها ” عظات بينات”، كانت وراء سعيه للبنان الكبير بحدوده الطبيعية، فبذل الكثير من الجهد، وواجه العقبات، وخاض التحديات حتى ظفر بلبنان الكبير: لبنان ال 10452 كلم 2 ، وكان هذا اللبنان نموذجا فريدا، لا بل نسيج وحده بين الأوطان للأسباب آلاتية: أولا: إحتضانه التنوع الديني على أرضه، وتحقيقه التلاقي النوعي بين المسيحية والاسلام في إطار الحياة الواحدة، والتفاعل الدائم، وثقافة التسامح، وقبول آلاخر، والحق في الاختلاف. ثانيا: إدارة الاختلاف عبر نظام سياسي مرن يدمج بين انواع الديموقراطية : العددية، التوافقية، ومركزية الدولة.مع إبقاء الباب مشرعا أمام تحديثه وتجديده.وما الإشارة إلى المادة 95 من الدستور اللبناني التي نصت على صفة ” المؤقت” إلا دلالة على الطابع المدني للدولة. ثالثا: إن صيغة النظام الذي إرتكزت اليه دولة لبنان الكبير، جعلت من هذا البلد بيئة حاضنة للحريات الدينية والسياسية والثقافية والاجتماعية، وقد انتجت هذه البيئة حوافز متقدمة لبناء إقتصاد حر يتسم بالدينامية، فافاد منها لبنان ،خصوصا انها صادفت توقيتا ملائما مع تدفق الثروة النفطية في أواخر أربعينيات القرن المنصرم، وجاهزية النظام المصرفي لتلقف عائداتها ايداعا واستثمارا. هذا المشهد الايجابي جوبه بالعديد من المؤشرات السلبية: أ- قيام دولة إسرائيل الغاصبة التي أحدثت زلزالا سياسيا،ديموغرافيا، عسكريا كانت له آثاره السلبية على دولة الاستقلال وهي في بداياتها. ب- الانقلابات العسكرية التي شهدتها دول المنطقة على خلفية الصراعات الاقليمية ذات البعد الدولي، من خلال إمتداداتها المحلية (ما أشبه اليوم بالبارحة). ج- لم يتمكن لبنان من العبور إلى دولة المؤسسات ،دولة الحق والقانون، القائمة على العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، وممارسة الحياة الديموقراطية على نحو سليم. وقد شاعت الزبائنية، وتبادل المنافع على حساب الصالح العام، وانحدرت الحياة السياسية إلى درك غير مألوف، وباتت المذهبية والطائفية عملة رائجة يتداول بها كلما أحس طرف ما انه في حاجة إليها ليبقى في السوق بائعا وشاريا . وفي كل مرة تتفجر فيها الأوضاع في لبنان، وتتدفق شلالات الدم، وتصبح أراضيه سداحا مداحا أمام كل غاز، أو لاجيء إكتسب صفة الديمومة، ينبري من يريد إعفاء نفسه من تقصيره، وتورطه، ومسؤوليته، ويلقي التهمة على البطريرك الحويك، ويعتبر أن لبنان الكبير كان عبئا ولم يكن حلا، ولكن الثابت انه بإمكان اللبنانيين من دون إستثناء تحويل لبنان الكبير إلى فرصة، إلى ” وطن مسكوني يحتوي على غنى الانسانية النوعي” كما كتب يوما موريس الجميل. ما أسهل إطلاق النار اليوم من قبل مراهنين مغامرين، على شعار ال”10452″ باعتباره شعارا “خادعا”، مع الإشارة الى أنه إصطبغ بالأحمر القاني لأن آلاف الشهداء من كل إتجاه دفعوا ثمنه دما. إن المراهنين على إسقاط صيغة لبنان الكبير لا يمتلكون مشروعا بديلا، وإن إمتلكوا مثل هذا المشروع فسيكون هجينا. إن العودة إلى حدود لبنان المتصرفية تعني العودة إلى الجوع والهجرة. وأن الاكتفاء بلبنان” متخففا” من معظم الجنوب والبقاع والشمال واكثر من نصف بيروت،يعني ألاقتتال بين مكونات المناطق المتبقية، ولنا من حروب ” الاخوة- الاعداء” بحسب توصيف البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، عبرة لمن يستعبر. كما لا تغرب عن الذاكرة الجمعية إهدن والصفرا، وحرب ” الالغاء” أو ” التحرير” بحسب ما يحلو لكل فريق أن يطلق عليها. من هنا أن المشروع المضاد والمناقض للبنان الكبير، قد يكون مقدمة لتصفية ذاتية بين المنادين به. وليس عبثا أن يعلن الفاتيكان إيمانه بلبنان – الرسالة، لبنان- الواحد، لبنان العيش المشترك، وبدور مسيحي ناشط منخرط في المجتمع الوطني كنسيج ومكون تاريخي أصيل،من خلال وثيقة ” السينودوس من أجل لبنان”، وأن يطلب إلى الكنائس الجامعة الجامعة الخاضعة لسلطته الروحية أن تعمل بموجب الارشاد الرسولي الصادر عن هذا السينودوس الذي توجه البابا القديس يوحنا بولس الثاني في العاشر والحادي عشر من أيار 1997. إن إعلان طوباوية البطريرك الحويك هو شهادة للبنان الكبير، لبنان ال 10452كلم 2،وإذا كان في كل مسيحي لبناني شيء من الاسلام، وفي كل مسلم لبناني شيء من المسيحية، فان الفضل في ذلك يعود إلى هذا البطريرك الذي ينطبق عليه تعريف ال” visionnaire”. اي الرؤيوي. ،فهل تكون هذه المناسبة محطة تنطلق منها الكنيسة المارونيةلاستعادة ريادتها، وتثبيت قيم الحويك الذي علم، واطعم، وقاوم من أجل أن يبقى لبنان. وقد بقي، وعليها أن تتجاوز كل المعوقات ، وتكسب الرهان.
خبر عاجل
-
رسالة الحويك لموارنته: لبنان الكبير قدركم! (جوزف القصيفي)
-
قراءة في صحف اليوم.. أسرار وأخبار
-
بنك بيروت وVisa يطلقان حملة “اكتشف لبنان” ويمنحان حاملي البطاقات تجارب لبنانية لا تُنسى
-
فريد البستاني شارك في لقاء حواري حول تحديات سوق العمل وفرص الإصلاح
-
رئيس الإتحاد العمالي العام في لبنان الدكتور بشارة الأسمر يشكر النائب فريد البستاني لإقراره قانون حماية المتسهلك


