التعميم 173: خطوة مصرف لبنان لكبح الإقتصاد النقدي وتعزيز الدفع الإلكتروني (عصام شلهوب)


عصام التعميم 173: خطوة مصرف لبنان لكبح الاقتصاد النقدي وتعزيز الدفع الإلكتروني
في محاولة جديدة لإعادة تنظيم الحياة المالية في لبنان بعد سنوات من الفوضى النقدية وهيمنة الاقتصاد النقدي، أصدر مصرف لبنان القرار الأساسي رقم 13810 ضمن التعميم الأساسي رقم 173، موجّهًا إلى المصارف والمؤسسات المالية، بهدف واضح: تعزيز قبول المدفوعات الإلكترونية والحد من التوسع المفرط في استخدام النقد الورقي داخل السوق اللبناني.

هذا التعميم لا يقتصر على إجراء تقني أو تنظيمي داخلي بين المصارف والتجار، بل يحمل أبعادًا اقتصادية أوسع ترتبط مباشرة بمحاولة إعادة إدخال جزء من النشاط المالي إلى المنظومة المصرفية والرقابية، بعد أن تحوّل لبنان منذ عام 2019 إلى اقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على الكاش.

أولى النقاط الأساسية في التعميم تتمثل في وضع سقف واضح للعمولة التي تتقاضاها المصارف والمؤسسات المالية من التجار عند قبول المدفوعات الإلكترونية عبر أجهزة نقاط البيع (POS). فقد حدّد مصرف لبنان هذه العمولة، المعروفة بـ Merchant Discount Rate (MDR)، بنسبة لا تتجاوز 1.25% من قيمة العملية في القطاعات الحيوية، وهي: محطات الوقود، المستشفيات، الصيدليات، السوبرماركت، الميني ماركت، والأفران الكبيرة.

عمليًا، يعني ذلك أن التاجر الذي يتقاضى 100 دولار عبر بطاقة مصرفية، لن يدفع أكثر من 1.25 دولار كرسوم على هذه العملية. هذا الإجراء يهدف إلى إزالة إحدى أبرز الحجج التي يستخدمها كثير من التجار لرفض البطاقات أو الامتناع عن اعتماد الدفع الإلكتروني، والمتمثلة بارتفاع كلفة العمولات المصرفية.

ولم يكتفِ التعميم بتحديد السقف الإجمالي للعمولة، بل نظّم أيضًا رسم التبادل (Interchange Fee) الذي يُحوَّل إلى الجهة المصدرة للبطاقة، أي المصرف الذي أصدر بطاقة العميل. وقد حدّد هذا الرسم بنسبة لا تتجاوز 0.9% كحد أقصى من قيمة العملية، ضمن سقف العمولة الإجمالي المحدد عند 1.25%.

هذا التنظيم يهدف إلى منع تضخم الرسوم داخل سلسلة الدفع الإلكتروني، وضبط العلاقة المالية بين المصرف المصدر للبطاقة، والمصرف أو المؤسسة التي تستقبل عملية الدفع.

أما النقطة الأكثر تأثيرًا على المستهلك مباشرة، فهي منع التجار من فرض أي رسوم إضافية على الزبائن الذين يستخدمون وسائل الدفع الإلكتروني. بمعنى آخر، لم يعد يحق للتاجر أن يفرض سعرين مختلفين للسلعة نفسها، أحدهما للدفع النقدي والآخر للدفع عبر البطاقة، أو أن يطلب من المستهلك تحمل “عمولة البطاقة”.

وبذلك، يصبح السعر موحدًا بغض النظر عن وسيلة الدفع، سواء كانت نقدًا أو بطاقة أو أي وسيلة إلكترونية أخرى.

تكمن أهمية هذا القرار في أنه يستهدف معالجة أحد أبرز التشوهات التي نشأت بعد الأزمة المالية: انفصال الاقتصاد اللبناني عن النظام المصرفي، وتحول معظم التعاملات إلى النقد المباشر. هذا الواقع أضعف الشفافية، ووسّع الاقتصاد الموازي، ورفع من معدلات التهرب الضريبي، كما زاد المخاطر المرتبطة بنقل وتخزين الأموال النقدية.

من هنا، يبدو التعميم 173 جزءًا من مسار أوسع يسعى إلى تقليص الاعتماد المفرط على الكاش، وإعادة دمج جزء من العمليات التجارية ضمن قنوات مالية قابلة للتتبع والرقابة.

المستفيد الأول من هذا التعميم هو المستهلك، الذي يحصل على حماية من الرسوم الإضافية والتمييز السعري. كما يستفيد التاجر من تخفيض الرسوم ووضعها ضمن سقف واضح ومحدد، بما يسهل عليه اعتماد حلول الدفع الإلكتروني. أما على المستوى الكلي، فتستفيد الدولة والقطاع المالي من زيادة الشفافية وتحسين القدرة على تتبع الحركة الاقتصادية.

لكن، وكما هي الحال غالبًا في لبنان، يبقى نجاح أي تعميم مرهونًا بالتنفيذ والرقابة. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في إصدار القرارات، بل في ضمان التزام التجار والمصارف بها، ومنع الالتفاف عليها عبر رفض البطاقات أو التحايل بوسائل غير مباشرة.

في النتيجة ، يمكن القول إن التعميم 173 يحمل رسالة مزدوجة: للتاجر بأن قبول الدفع الإلكتروني يجب أن يصبح جزءًا طبيعيًا من النشاط التجاري بكلفة معقولة، وللمستهلك بأن استخدام البطاقة لا ينبغي أن يتحول إلى عبء إضافي. إنها خطوة صغيرة في ظاهرها، لكنها تمسّ جوهر المعركة الاقتصادية الأكبر في لبنان: الانتقال من اقتصاد نقدي فوضوي إلى اقتصاد أكثر تنظيمًا وشفافية.