تحل اليوم ذكرى شهداء لبنان، وهي في الوقت عينه ذكرى شهداء الصحافة، وإذا كانت الدولة اللبنانية قد حذفت هذه الذكرى من قائمة أعيادها الوطنية لأسباب لا فائدة من الخوض فيها في غمرة ألاهوال التي يعيشها وطننا، من دون أن ننسى كيف جرى ترحيل إقتراح قانون بالتعطيل الرسمي في الأول من أيلول ذكرى إعلان دولة لبنان الكبير، وتجاوز عيد الجلاء وهو مناسبة وطنية تكرس معها الاستقلال التام وخلو لبنان من أي جندي أجنبي على أرضه،فان الصحافة اللبنانية تعتبر السادس من أيار يوم عطلة تستذكر فيه شهداءها الذين علقوا على أعواد المشانق في ساحة البرج بوسط بيروت، والتي تسمت باسمهم إثر إنتهاء الحرب الكونية الاولى . كان هؤلاء خيرة شباب لبنان وأكثرهم علما وثقافة واقداما، وشكل الصحافيون من بينهم النسبة الاعلى( 11 علما) . كانوا منائر الحرية باقلامهم الداعية إلى التحرر والانعتاق من الاستعمار، ومقاومة الظلم، فاختلط مدادهم بالدم، وسطروا في صفحات الوطن أسفار الخلود. في هذا اليوم نستذكر الشهداء الأوائل من أبناء المهنة، ونستخلص من شهادتهم العبر آلاتية: أولا: لم يناد هؤلاء بفكرة واحدة. وكانت تتنازعهم مشارب واهواء شتى، وينتمون إلى تيارات سياسية وقومية مختلفة، لكنهم إتفقوا على قاسم مشترك : مواجهة الاستعمار بالدعوة إلى الحرية . ثانيا: لم تفرقهم الطائفية والمذهبية ، وكانوا على إلفة كبيرة، ومودة عميقة، وطدتا اواصر الصداقة في ما بينهم، فواجهوا حبل المشنقة متضامنين برؤوس مرفوعة، وصدور عامرة بالإيمان. ثالثا: كان الصحافيون الشهداء دعاة تحرر وإصلاح، وحملة شعلة التنوير والتقدم، ولم يتركوا العنان لالسنتهم واقلامهم لكي تصول وتجول في معمعة التجاذبات التي تراكم الشروخ وتدفع إلى الفتنة والصدام، وذلك برغم تباين المقاصد وتباعد آلاراء وتنوع الأهداف. لأن الحرية غير نافية للمسؤولية الوطنية والاجتماعية ويمكن ممارستها إلى أبعد الحدود ، وهي حق طبيعي لكل فرد أو مجموعة، وذلك إنطلاقا من القاعدة آلاتية: قد يكون ما تقوله مهم- بل في غاية الاهمية- لكن ألاهم هو كيف تبرز ما ترغب في قوله ، وبأي أسلوب تصوغ ما تريد إيصاله والتعبير عنه. هذا الكلام نورده في ذكرى شهداء الصحافة اللبنانية الذين توالى ارتقاؤهم إلى يومنا هذا. بل إلى الأمس القريب . تعددت امكنة الارتقاء وازمنته، لكن الشهادة واحدة. إنها وحدت بينهم على الرغم من وجودهم في مواقع مختلفة وأحيانا متعارضة. نقابة محرري الصحافة اللبنانية قدمت الكثير من الشهداء وفي طليعتهم نقيبها نسيب المتني الذي إغتيل في الثامن من أيار 1958. أما نقابة الصحافة فقد أدت جزية الحرية باستشهاد نقيبها رياض طه في الثالث والعشرين من تموز 1980. ويضيق المجال بذكر قامات وهامات اسقطها الرصاص الغادر، أو أطبق على اعناقها حبل المشنقة، أو أرداها قصف أو غارة جوية أو محلقة إسرائيلية، عدا من إختطف وضاع أثره ، ولكن الذاكرة تتسع لاسمائهم، كما متون الكتب، ويراعات المؤرخين لدى الحديث عن البذل والعطاء حتى ذروة التضحية، وهل من تضحية أسمى من أن يقضي المرء فداء قناعته والعقيدة التي بها يؤمن شأنه شأن الرسل الذين كتبت اقدارهم على جباههم، فإذا رجموا أو صلبوا، أو قطعت رؤوسهم واوصالهم، يعانقون التراب الذي منه بعثوا ، فيما تستمر رسالتهم عابرة الحدود والسدود مخترقة حجب الزمن، تسطر حكاية عطاء لا ينضب تستدير معه الأحرف أرغفة من كلم تشق الطريق أمام التحرر وتثل عروش الطغاة. في ذكرى شهداء الصحافة اللبنانية ندعو إلى وقفة مع الذات نستنطقها، والضمير نستحثه، والوطنية نستنخيها،بأن نكون في هذا الوقت العصيب عضدا للبنان الواحد نحصنه بدفع رياح الفتنة عنه، ونسوره بالحرية النافية للقمع التي لا تحدها إلا مسؤولية الحفاظ على السلم وإحترام الحق في الاختلاف، ونوطد ركائزه كوطن لجميع ابنائه بتقديم المشتركات على كل ما يفرق ويبدد. على أنه- وقبل اي شيء- يجب ألا ينسى من يلقي على الصحافة والاعلام أوزار ما تشهد البلاد من انقسام وشروخ ، أن هذين القطاعين ليسا منفصلين عن الواقع المأساوي الذي يرسف لبنان في قيوده، بل هما يعكسان إلى حد بعيد حال التردي والضياع والتردد والفشل، وغالبا ما يكونان أسير هذا الواقع ، وينقلان صورة غير وردية عنه، من دون أن ننفي ضمور مساحة الحيادية والموضوعية بسبب التخندق السياسي الحاد الذي يلف البلاد. في ذكرى شهداء الصحافة اللبنانية لنعد ، ولو لمرة واحدة إلى روحية شهدائنا الاوائل، ولنعمل على صون الحرية والديموقراطية والحق في التعبير، وتسليط الضؤ على ضرورة تعزيز استقلال لبنان وسيادته، وخلوه من الاحتلالات ، والتصدي للمفاسد والفاسدين، والانتصار للقانون ، كل من موقعه وبحسب رؤيته، وذلك بأسلوب خال من الاستفزاز، ، بعيد من التحريض أو التخوين،أو الارتياب ، تلافيا لما يخلفه هذا الأمر من حزازات تتغلغل في النفوس وتشكل مع التراكم السلبي مادة صدامية قد تبلغ حدود المساس بالسلم ألاهلي. كم كان الشاعر زفر بن الحارث الكلابي مصيبا عندما قال: وقد ينبت المرعى على دمن الثرى / وتبقى حزازات النفوس كما هيا ومع التحية لأهل الصحافة والاعلام ، والرحمة للشهداء منهم ، تبقى الكلمة هي السلاح الاقوى والامضى بعد أن تسكت المدافع وتتوقف الصواريخ والغارات، كونها الابقى.جاء في إنجيل يوحنا ( ١:١):” في البدء كان الكلمة ، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله.” وجاء في قوله تعالى -سورة ” العلق”: ” إقرأ وربك الأكرم، الذي علم الإنسان بالقلم…” ويبقى الصحافي على تقلب الأحوال وتبدل الازمنة وتعاظم النوائب حارس الكلمة والقلم…ولن تتخلى الصحافة عن دورها في كتابة التاريخ الذي خطت مسودته الأولى منذما أبصرت النور.
خبر عاجل
-
في ذكرى شهدائها: صحافة لبنان بين الحرية والمسؤولية (جوزف القصيفي)
-
ترامب يعلّق “مشروع الحرّية” في مضيق هرمز… هل اقترب الاتّفاق مع إيران؟
-
🇱🇧 أخبار الصحف وتحليلاتها وأسرارها
-
استقبل وزير الاتّصالات شارل الحاج، في مكتبه في الوزارة، المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في لبنان عمران ريزا، وبحث معه في سبل التعاون في مجال تسهيل الأعمال الإغاثية التي تقوم بها المنظمة في لبنان، بما يساهم في تلبية احتياجات النازحين
-
وزير الخارجية الإسرائيلي: لبنان لم يعالج تهديد الجنوب… لا طموحات توسعية لنا ونطالب بتنفيذ الاتفاقات


