“لقاء” يطلق كتاب “الوحدة في التعدّد” لتيودور الراعينقاش في المواطنة والسيادة ومستقبل الديموقراطية التوافقية

كتبت د. ليلى شمس الدين

احتفى منتدى “لقاء” بإصدار فكري جديد في جامعةAUT، بحضور رسالة تهنئة من رئيس الجمهورية للمؤلّف، وقراءات أكاديمية وقانونية وسياسية تفتح النقاش حول إعادة بناء الديموقراطية التوافقية في لبنان.
تساؤلات عدّة طرحها المتحدّثون خلال الندوة، شرّعت الأبواب أمام استحقاقات أساسية بأبعادها المتعدّدة: هل تكمن أزمة لبنان في تعدّد مكوّناته، أم في عجز الدولة عن تحويل هذا التعدّد إلى شراكة وطنية حقيقية؟ وهل يحتاج اللبنانيون إلى إعادة بناء الديموقراطية التوافقية، أم إلى إعادة النظر في الثقافة السياسية والممارسات التي أفرغتها من مضمونها؟
أسئلة حضرت بقوّة في حفل توقيع كتاب الباحث الشاب تيودور الراعي، “الوحدة في التعدّد: إعادة بناء الديموقراطية التوافقية في لبنان”، الذي نظّمه “لقاء”، في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا (AUT) في الفيدار – جبيل، مساء الجمعة 6 تشرين الثاني 2026، في أمسية تجاوزت الاحتفاء بإصدار جديد إلى نقاش في معنى الدولة، وحدود التوافق، ومستقبل العيش المشترك في لبنان.
حضر الحفل النائب البطريركي العام المطران الياس نصّار، وراعي أبرشية جبيل المارونية المطران ميشال عون، والنائب أنطوان حبشي، والمدير العام السابق لمؤسّسة مياه جبل لبنان المهندس جان جبران، ونائب رئيس جامعة AUT الأستاذ مارسيل حنين، إلى جانب أساتذة جامعيين وكهنة وشخصيات ثقافية وأكاديمية، وعائلة المؤلّف وأصدقائه وأعضاء “لقاء” وحشد من المهتمّين.
وقدّمت الحفل الإعلامية مورغا حبّوشي، واستُهلّ بتلاوة رسالة تهنئة وجّهها رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزف عون إلى المؤلّف بمناسبة صدور كتابه، مشيدًا، بحسب ما أُعلن خلال الحفل، بقيمة الإصدار في إغناء الفكر الوطني اللبناني.

فغالي: حين يتحوّل العنوان إلى سؤال عن معنى المواطنة
استهلّ رئيس “لقاء”، الناقد الأدبي والأستاذ الجامعي الدكتور عماد يونس فغالي، المداخلات بقراءة سيميائية ودلالية لعنوان الكتاب، متوقّفًا عند العلاقة التي تبدو متناقضة للوهلة الأولى بين الوحدة والتعدّد. ورأى أنّ الوحدة التي يتناولها الكتاب لا تعني إلغاء الاختلافات المذهبية والفكرية والسياسية، بل قيام مواطنة يتساوى فيها اللبنانيون في الحقوق والواجبات، ويجتمعون في وطن واحد من دون التخلّي عن خصوصياتهم.
ومن هذا المنطلق، قرأ فغالي العنوان بوصفه دعوة إلى التفكير في إمكان بناء وحدة وطنية تغتني بالتعدّد، بدل أن تسعى إلى صهره أو إلغائه، معتبرًا أنّ المؤلّف يطرح مقاربة علمية ودستورية تستفيد من تجارب خارجية، مع مراعاة خصوصية الواقع اللبناني. ولم تخلُ كلمته من هاجس يتجاوز الاحتفاء بالكتاب، إذ عبّر عن خشيته من أن يبقى هذا الجهد الفكري حبيس الصفحات، يحظى بإعجاب القرّاء والمثقفين من دون أن يجد طريقه إلى الممارسة السياسية.
وهكذا وضع فغالي الحضور أمام سؤال يتجاوز الكتاب نفسه: كيف ننتقل من الإعجاب بالأفكار إلى القدرة على تحويلها واقعًا يعيشه المواطنون؟

إيليّا: التوافق ليس محاصصة… والشراكة ليست تعطيلًا
ومن موقعه الأكاديمي، تناول الدكتور إيليّا إيليّا الكتاب بوصفه امتدادًا لمسار بحثي سبق أن واكبه من خلال إشرافه على رسالة الماستر التي أعدّها الراعي في العلوم السياسية، والتي تناولت الديموقراطية التداولية والتشاركية. ولفت إلى أنّ المؤلّف انتقل في إصداره الجديد من المقاربة النظرية لمفهوم الديموقراطية إلى معالجة أكثر التصاقًا بالواقع اللبناني وإشكاليات نظامه السياسي.
واعتبر إيليّا أنّ التحدّي الحقيقي لا يكمن في التعدّد بحدّ ذاته، بل في كيفية إدارته ضمن دولة واحدة ومؤسسات دستورية جامعة، مشيرًا إلى أنّ الديموقراطية التوافقية تحوّلت في الممارسة اللبنانية، في كثير من جوانبها، من وسيلة لحماية المشاركة إلى آلية للمحاصصة وتعطيل المؤسّسات. مشدّدًا على أنّ التوافق لا ينبغي أن يتحوّل إلى حق دائم في التعطيل، وأنّ حماية المكوّنات لا يجوز أن تكون على حساب المصلحة الوطنية العامة.
ودعا إلى تعزيز سيادة الدولة، وتطوير الحياة السياسية والحزبية، وتفعيل المساءلة والرقابة، وإيجاد توازن بين ضمانات المشاركة وفعالية المؤسسات. كما اختصر جوهر الإشكالية بسؤال: هل يحتاج لبنان إلى إعادة بناء الديموقراطية التوافقية، أم إلى إعادة بناء الشروط السياسية والدستورية التي تجعلها قابلة للحياة؟

القاضية فغالي: أيّ توافق هذا إذا بقي الأضعف بلا صوت؟
أما القاضية ماري أنطوانيت فغالي، فانطلقت من خبرتها القضائية لتقدّم قراءة إنسانية وقانونية للكتاب، واضعةً العدالة والإنصاف في قلب النقاش حول الديموقراطية التوافقية. واستحضرت صورة قاعة المحكمة، حيث تتعدّد الروايات والأصوات، وحيث لا يكفي أن تتّفق الأطراف إذا كان أحدها قد حُرم القدرة على التعبير أو الدفاع عن حقوقه.
ومن هذا المنطلق، طرحت سؤالًا محوريًا: هل يمكن الحديث عن توافق حقيقي عندما يتّفق الأقوياء، فيما يبقى الأضعف خارج دائرة القرار؟ ورأت أنّ أهمية الكتاب تكمن في مقاربته للنظريات السياسية من خلال آثارها في حياة الناس، وفي سعيه إلى فهم الأسباب التي تجعل نظامًا أُريد له أن يبدّد الخوف بين المكوّنات عاجزًا عن تحقيق هذه الغاية.
وتوقّفت فغالي عند ضرورة الانتقال من مجرّد الاعتراف بالتعدّد إلى بناء مواطنة كاملة، تصون حقوق الأفراد والجماعات على السواء، فلا يتحوّل الانتماء الطائفي إلى سبب للإقصاء أو الانتقاص من الحقوق. كما شدّدت على أنّ التوافق لا تصنعه آليات توزيع المواقع وحدها، بل يحتاج إلى ثقافة مدنية، وعدالة ومصالحة وحوار حرّ، ومؤسسات قادرة على خدمة المواطنين.
وفي مقاربة جمعت البعدين القانوني والإنساني، أعادت طرح السؤال عن جدوى المؤسّسات إذا كانت إجراءاتها صحيحة في الشكل، لكنها عاجزة عن تأمين حقوق الناس وحاجاتهم الأساسيَة.

ديب: السيادة شرط للتوافق… لا نتيجة له فقط
وقدّم الوزير السابق روجيه ديب قراءة سياسية نقدية للكتاب، معتبرًا أنّ قيمته تكمن في انتقاله من معالجة الأزمات اللبنانية المتعاقبة إلى البحث في جذورها البنيوية، وفي طبيعة الدولة القادرة على استيعاب التعدّد ضمن إطار مستقر. وأشاد بمحاولة المؤلّف الربط بين النظريات السياسية والتجربة التاريخية اللبنانية، وبسعيه إلى تحرير مفهوم الديموقراطية التوافقية من اختزاله بالمحاصصة وتقاسم السلطة.
غير أنّ ديب لم يكتفِ بتأييد الأطروحة، بل طرح مجموعة من الملاحظات النقدية، أبرزها ضرورة إعطاء السيادة واحتكار الدولة للسلاح موقعًا أكثر تقدّمًا في أي مشروع لإعادة بناء التوافق. معتبرًا أنّ التوافق الحقيقي لا يمكن أن يقوم بين أطراف غير متساوية في القوّة، وأنّ مرجعية الدولة وحصرية القرار السيادي من الشروط الأساسية لنجاح الحوار الوطني.
كما دعا إلى نقاش جدّي حول حياد لبنان وعلاقته بالمحاور الإقليمية، وإلى معالجة البعد الاقتصادي للتوافق، محذّرًا من تحوّل الاتفاقات السياسية إلى وسائل لتقاسم الموارد والمنافع على حساب الدولة ومؤسساتها. واقترح الانتقال من مفهوم “الوحدة الوطنية” إلى مفهوم “الإدارة الوطنية للتعدّد”، انطلاقًا من أنّ الاختلاف ليس حالة عابرة في المجتمع اللبناني، بل حقيقة تكوينية ينبغي تنظيمها ضمن مؤسسات عادلة وقواعد واضحة.
وهكذا أضافت مداخلته بُعدًا نقديًا إلى الندوة، وأعادت طرح العلاقة بين التوافق والسيادة والمحاسبة، وبين الشراكة السياسية وقدرة الدولة على اتخاذ القرار.

الراعي: لبنان مدعوّ إلى أن يجعل من تعدّده رسالة إلى العالم
وفي كلمته، عاد المؤلّف تيودور الراعي إلى الدافع الفكري الذي حمله على تحويل رسالة الماستر إلى كتاب، مستحضرًا مقولة اللاهوتي السويسري هانس كونغ عن العلاقة بين السلام والحوار بين الأديان. ورأى أنّ العالم يواجه تحدّيات متزايدة تتّصل بإدارة الهويّات الجماعية، وأنّ التجربة اللبنانية، على الرغم من أزماتها وإخفاقاتها، ما زالت تحمل إمكان تقديم نموذج للتعايش بين أتباع الديانات والثقافات المختلفة.
واعتبر أنّ التعدّدية الثقافية يمكن أن تكون مصدر غنى، شرط أن تقترن بإرادة سياسية ومؤسسات قادرة على تحويل الاختلاف إلى تعاون وشراكة. كما دعا إلى إعادة قراءة التاريخ اللبناني المشترك بين الطوائف، بما يسمح ببناء سردية وطنية جامعة لا تلغي تعدّد الروايات، وإلى تطوير فهم الدولة بعيدًا عن منطق الصهر والإلغاء.
وشدّد على أهمية إعادة النظر في آليات الديموقراطية التوافقية، بحيث تتجاوز توزيع السلطة إلى تعزيز الثقة والتضامن بين المكوّنات الاجتماعية. معربًا عن أمله في أن يشكّل كتابه مساهمة في النقاش حول مستقبل لبنان، وأن يساعد على التفكير في صيغة تجعل من الوحدة والتعدّد عنصرين متكاملين، لا متناقضين.
ووجّه الشكر إلى “لقاء” ورئيسه الدكتور عماد فغالي، والجامعة الأميركية للتكنولوجيا، والقائمين على النشر، والمشاركين في الندوة والحضور، مختتمًا كلمته باستحضار محبّة جبران خليل جبران للبنان.

حبّوشي… حين يصبح التقديم جزءًا من الحكاية
ولم يكن حضور الإعلامية مورغا حبّوشي في تقديم الأمسية مجرّد انتقال بين الكلمات والمتحدّثين؛ فقد أضفت على اللقاء بُعدًا خاصًا من خلال تقديماتها والروابط التي نسجتها بين فقراته، بما منح المداخلات تماسكًا وإيقاعًا متوازنًا. فبدت الأمسية، في مسارها، أقرب إلى حوار فكري متكامل منه إلى تعاقب كلمات، وأسهم أداؤها في إبراز القيمة الثقافية للمناسبة والمحافظة على خيطها الناظم من الافتتاح حتى الختام.

من صفحات الكتاب إلى أسئلة الوطن
فتحت المداخلات الخمس زوايا مختلفة للنظر إلى الإشكالية نفسها: فقرأ فغالي العنوان من باب اللغة والمواطنة، وعاد إيليّا إلى الأسس النظرية والمؤسساتية للديموقراطية التوافقية، ووضعت القاضية فغالي العدالة وحقوق الأفراد في صلب النقاش، فيما تناول ديب شروط السيادة والمحاسبة والاستقرار، قبل أن يعرض المؤلّف رؤيته للبنان بوصفه تجربة قادرة على الجمع بين الوحدة والتعدّد.
وفي ختام الأمسية، قدّم رئيس “لقاء” الدكتور عماد يونس فغالي إلى الباحث تيودور الراعي درع تهنئة وتكريم، تقديرًا لجهده الفكري والبحثي، ثم انتقل الحاضرون إلى نخب المناسبة والتقاط الصور التذكارية، فيما وقّع المؤلّف نسخًا من كتابه.
وهكذا، لم يكن “الوحدة في التعدّد” مجرّد عنوان على غلاف كتاب، بل سؤالًا حمله المشاركون إلى قلب النقاش اللبناني: كيف يمكن لوطن أن يحفظ اختلاف أبنائه، من دون أن يفقد قدرته على جمعهم في دولة واحدة؟
سؤال لم تدّعِ الأمسية امتلاك جواب نهائي عنه، لكنها أعادت وضعه في مكانه الطبيعي: في فضاء الفكر والحوار والبحث عن وطن تتّسع فيه الوحدة للجميع، ولا يتحوّل فيه التعدّد إلى سبب للخوف أو الإقصاء.
ولأنّ للأمسيات ذاكرةً تتجاوز كلماتها ولحظات انعقادها، جاءت الصور لتحفظ شيئًا من نبض هذا اللقاء ووجوهه وتفاصيله، بعدسة المصوّر عبدو أبي رعد، الذي نتوجّه إليه بخالص الشكر والتقدير على إسهامه في تحويل لحظات هذا اللقاء إلى ذاكرةٍ بصريةٍ تبقى وتُروى.