رحلت باسمة بطولي فجر اليوم، ورحل معها شيءٌ من روحي وذاكرتي، ومن فصل أساسيّ في حياتي بدأ في التاسعة عشرة من عمري، يوم أجريتُ معها أول مقابلة صحافية نُشرت باسمي في مجلة «الحسناء» وكنتُ بعد في سنتي الجامعية الثانية. لم أكن أعلم يومها أن ذلك اللقاء سيكون بداية حكاية عمر، وصداقة عائلية عميقة، وامتنان سيبقى حيّاً في قلبي ما حييت.
لم تكن باسمة مجرّد اسم من أسماء الثقافة اللبنانية، بل كانت وجهاً من وجوه الخير التي فتحت لي الأبواب، ويداً امتدت نحوي في البدايات، وقلباً احتضن خطواتي الأولى في عالم الصحافة والثقافة والشعر والفن التشكيلي. أخذت بيدي إلى عوالم جديدة، وشجعتني ورافقتني طوال سنوات، في المرّة والحلوة. كانت تؤمن بي، تفرح لنجاحي، ويشغلها غيابي إذا تأخرت في الاتصال بها. وفي هذه التفاصيل الصغيرة كانت تختصر محبّة كبيرة وصادقة.
اليوم، وأنا أكتب عنها، أشعر بأن الكلمات تخونني. كيف أنعي إنسانة كانت جزءاً من حكايتي، وأختصر سنوات من المودّة والوفاء في نصّ وداع؟ كيف أكتب عن باسمة الشاعرة، فيما تتقدّم إلى ذاكرتي باسمة الإنسانة، بعينيها الجميلتين، وألوانها التي تشبه روحها، وذكائها المتوقّد، ومرحها الخاص، وقلبها الكبير؟
عانت باسمة طويلاً مع المرض، وتحمّلت الكثير من الألم والتعب، لكنها بقيت واعية وحاضرة الذهن حتى أيامها الأخيرة. وكان ابنها، المخرج الصديق باسم كريستو، يحاول بكل ما أوتي من حبّ وقوة أن يخفّف عنها قسوة الرحلة ويتمسّك ببقائها إلى جانبه. لكنّ جسدها الذي قاوم طويلًا لم يعد يحتمل المزيد، وأرهقته جلسات غسيل الكلى الثلاث، فأسلم القلب روحه، تاركاً وراءه قصائد وألواناً ومواقف وصداقات وأثراً لا يُمحى.
أما باسمة الشاعرة، فقد اختارت اللغة العربية الفصحى وطناً ، وكانت من الأصوات التي تمسّكت بجمالها وقدرتها على التعبير عن الوجدان الإنساني. وقد رشّحها الشاعر سعيد عقل لنيل جائزته، في شهادة تحمل دلالتها لدى من يعرف مكانته وصرامته في التعامل مع اللغة والشعر.
وفي استفتاء واسع أجراه العام الفائت الشاعر أسعد جوان بين شعراء وشاعرات العالم العربي، برز اسم باسمة بوصفها جديرة بلقب «أميرة الشعر». وكان جوان ينوي تكريمها خلال هذا الشهر، لكنّ الموت سبقه إلى موعده، وحرمها فرصة الاحتفاء بعطائها. كم هو موجع أن ننتظر تكريم من نحبّ، ثم نكتشف أنّ القدر اختار موعداً آخر، وأنّ ما لم نستطع تقديمه لهم في حضورهم يصبح، بعد رحيلهم، أمنية معلّقة في القلب.
ولعلّ أكثر ما يعصر قلبي اليوم أنني، قبل أسبوع، كنت أقرأ إحدى قصائدها التي أحبّها، في الاحتفالية الثقافية التي جمعت لبنان واليونان في أثينا، تحت عنوان «أصداء من لبنان واليونان: أصداء الزيتون والأرز». وقفت على المنبر أقرأ كلمات باسمة، فيما غنّى التينور غابريال عبد النور، من ألحانه، قصائد لها، في لقاء احتفى بالحوار بين الشعر والموسيقى، وبين ثقافتين تجمعهما ذاكرة المتوسط.
كنت أحمل صوتها إلى جمهور أثينا، ولم أكن أعلم أنني سأعود بعد أيام لأكتب عنها بصيغة الماضي. لم أدرِ أن تلك الأمسية ستكون، من حيث لا أعلم، وداعاً أخيراً لشاعرة ستبقى كلماتها قادرة على عبور المسافات، بعدما عجز جسدها عن مواصلة الرحلة.
كم من مرة وقفتُ على المنابر لأقدّم باسمة وأتحدث عن تجربتها، وكم شعرتُ بالفخر وأنا أعرّف الناس بشاعرة أؤمن بقيمتها، وبإنسانة أعرف طيبتها وعمقها وصدقها.
ومن المحطات التي ستبقى محفورة في ذاكرتي، يوم قُلّدتْ باسمة وسام الأرز الوطني من رتبة ضابط، بقرار من رئيس الجمهورية السابق العماد ميشال عون، في آب 2022، خلال احتفال أُقيم على مسرح كنيسة سيدة الحبشية في غزير، وكانت الوزيرة ندى البستاني هي من قلّدتها الوسام ممثّلةً للرئيس عون. يومها كنتُ عرّيفة الحفل، وكان لي شرف الوقوف إلى جانبها في لحظة تكريم تستحقّه، وكأنني أردّ بعض الجميل لانسانة أعطتني الكثير منذ بداياتي.
برحيلها، أفقد أكثر من شاعرة أحببت قصائدها. أفقد جزءاً من تاريخي الشخصي، ونافذةً أطللتُ منها على عالم الشعر والأدب، وصديقةً كانت تعاتبني بقلق جميل إذا طال غيابي. كانت وجهاً مشعاً بالأمل، وعلاقةً لم تحكمها المصالح ولم تبدّلها الظروف.
يا باسمة، ستبقين في ذاكرتي صديقة غالية لعائلتنا، بألوانك، بعينيك، بذكائك وتوهّجك، بروحك المرحة، وبقلبك الكبير الذي لم يطفئ المرض قدرته على الحبّ ورغبته في الحياة.
سامحيني إن قصّرتُ يوماً في اتصال أو زيارة، أو ظننتُ أنّ الوقت ما زال يتّسع للقاء آخر. هذه قسوة الحياة. نؤجّل أحياناً ما نحبّ، معتقدين أنّ الغد ينتظرنا، حتى يأتي يوم لا يعود فيه الغد يشبه ما تمنّيناه.
نامي بسلام، يا صديقة البدايات وصاحبة الوجه الخير في حياتي. ستبقى قصائدك شاهدةً على حضورك، وألوانك امتداداً لروحك، وذكراك أبعد من الغياب.
الرحمة لروحك يا باسمة بطولي… وداعًا يا أميرة الشعر، ويا حكايةً جميلة من حكايات عمري. ستبقين حكاية لن يستطيع الموت أن يكتب لها كلمة النهاية.


