70مليار دولار تبحث عمّن يدفعها… واللبناني يدفع كل يوم

المحامي ميشال فلاّح

منذ سبع سنوات، يتصرف لبنان الرسمي مع أكبر انهيار مالي في تاريخه وكأن الوقت جزء من الحل. يؤجل الاعتراف بالخسائر، يؤجل توزيعها، يؤجل إعادة هيكلة المصارف، ويؤجل إعادة الودائع، ثم ينتقل من خطة إلى أخرى ومن مشروع قانون إلى آخر، فيما تكبر الفجوة ويزداد أصحاب الحقوق إنهاكاً.
اليوم، يدور النقاش حول فجوة مالية تُقدّر بنحو 70 مليار دولار. الدولة تقول إن المسؤولية موزعة. مصرف لبنان له حساباته. المصارف ترفض تحميلها الجزء الأكبر. المودعون يرفضون، بحق، أن يكونوا الحلقة الأخيرة التي تُرمى عندها الخسائر. وصندوق النقد يطالب بحل يحترم تراتبية الحقوق، بحيث لا يتحمل المودعون الخسائر قبل المساهمين والدائنين الأدنى مرتبة.
لكن وسط كل هذا النقاش، تضيع الحقيقة الأبسط: لا أحد دفع الفاتورة حتى الآن، لأن المودع هو الذي يدفعها كل يوم. يدفعها من وديعته المحتجزة، ومن تآكل قدرتها الشرائية، ومن اقتصاد بلا قطاع مصرفي طبيعي، ومن دولة بلا ائتمان، ومن شركات محرومة التمويل، ومن بلد أصبح فيه التعامل النقدي بديلاً من المصرف.
أما الحلول، فما زال قسم كبير منها يعيش في عالم النظريات. قانون لإصلاح المصارف، ثم تعديلات، ثم طعن أمام المجلس الدستوري. قانون للفجوة المالية، ونقاش حول كيفية توزيع الخسائر. مفاوضات مع صندوق النقد، ثم شروط وملاحظات وتعديلات. خلاف على مسؤولية الدولة، وآخر على مسؤولية مصرف لبنان، وثالث على رساميل المصارف، ورابع على تصنيف الودائع. وكل طرف تقريباً يملك نظرية ممتازة عن سبب وجوب أن يدفع الطرف الآخر.
لكن الاقتصاد لا يعيش بالنظريات. حتى صندوق النقد، الذي اعتبر تعديل قانون إصلاح المصارف خطوة مهمة، يقول الآن إن الطريق إلى اتفاق معه يحتاج إلى دخول القانون حيز التنفيذ، وإقرار قانون مناسب للفجوة المالية، وموازنة 2027 وإطار مالي متوسط الأجل يضمن استدامة الدين، إضافة إلى إصلاحات في الإدارة المالية والحوكمة.
أي أننا، بعد سبع سنوات، لا نزال نناقش شروط بدء العلاج. والأخطر هو الاعتقاد بأن مرور الوقت قادر على «تنفيس» الأزمة. هذه ربما أكبر أوهام الطبقة السياسية والمالية. فالأزمات المالية لا تتبخر لأنها أصبحت قديمة. وصندوق النقد نفسه سبق أن نبّه إلى أن استمرار التأخير يزيد خسائر المصارف ويجعل استراتيجية المعالجة أكثر كلفة. الأزمة ليست بالوناً ننتظر أن يفرغ منه الهواء. إنها كرة ثلج. كل سنة تمر بلا حل تضيف إليها خسائر جديدة. اقتصاد يفقد التمويل، مؤسسات تتراجع، استثمارات تتردد، مودعون يفقدون المزيد من القيمة الفعلية لأموالهم، وشباب يبنون مستقبلهم خارج النظام المالي اللبناني.
والأرقام الحالية لا توحي بأن الزمن يعمل لمصلحة لبنان. صندوق النقد يتوقع انكماشاً اقتصادياً ملحوظاً في 2026، فيما لا يزال التضخم من خانتين، وقد تضررت البنية التحتية ومستويات المعيشة مجدداً بفعل الحرب والتطورات الأمنية.
لذلك، لم يعد السؤال فقط مَن يتحمل السبعين ملياراً. السؤال الأخطر هو كم ستصبح الفاتورة إذا انتظرنا أكثر؟
ومن هنا يجب أيضاً قراءة المعارك حول قانون إصلاح المصارف، وقانون الفجوة، وصلاحيات مصرف لبنان، وطعن رئيس الجمهورية. من حق كل طرف أن يدافع عن قراءته القانونية والاقتصادية، لكن ليس من حق أحد أن يحوّل الخلاف إلى وسيلة جديدة لشراء الوقت. لأن الوقت هنا ليس مجانياً. يدفع ثمنه المودع والاقتصاد والدولة معاً.
وبعد سبع سنوات من تقاذف المسؤوليات، ربما حان الوقت لقلب السؤال. فبدل أن يشرح كل طرف لماذا لا ينبغي أن يتحمل الخسائر، عليه أن يشرح أي جزء منها يتحمل ولماذا. فالفجوة المالية لا تختفي بالتقادم، والخسارة لا تزول بتغيير اسمها، والوديعة لا تعود بخطاب. ومن يراهن على أن الزمن سيحل الأزمة وحده، قد يستيقظ ذات يوم ليكتشف أن كرة الثلج أصبحت أكبر من قدرة الجميع على إيقافها.