لم تكن زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الجنوب قبل يومين عادية، ولا يمكن فصل الترحيب الواضح به عن التحولات التي بدأت تفرض نفسها على الساحة الشيعية. فرغم الاستياء من أداء حكومته خلال الحرب وبعدها، لم تتحول الزيارة إلى احتجاج أو محاولة لإفشالها، بل ظهر قرار باحتضانها، خصوصاً من البيئة السياسية المحسوبة على الرئيس نبيه بري.
هنا يكمن البعد السياسي للزيارة؛ إذ يواجه الثنائي مرحلة جديدة بعدما أصبحت أزمات الجنوب أكبر من قدرة أي طرف على معالجتها منفرداً. فالمنطقة تحتاج إلى إعادة إعمار، واستثمارات ومساعدات عربية ودولية، فيما ينتظر الأهالي إعادة بناء منازلهم ومؤسساتهم وطرقهم ومصالحهم. ولا يمكن الاستمرار في الخصومة مع الدولة والخارج، ثم مطالبة الجهات نفسها بتمويل الإعمار.
لذلك، يتزايد الاقتناع بضرورة توسيع الخيارات وإبقاء الأبواب مفتوحة، بعدما بات المسار الإيراني، وفق هذه القراءة، غير قادر وحده على تأمين احتياجات البيئة الشيعية، فيما ارتفعت كلفة القطيعة مع الخارج. ومن هنا، تبدو إعادة مدّ الجسور مع الدولة حاجة اقتصادية واجتماعية وسياسية، لا مجرد مناورة.
كان بإمكان الثنائي استغلال التقصير الحكومي والأزمات المعيشية والخلاف حول التفاوض مع إسرائيل لتحويل الزيارة إلى مواجهة سياسية وشعبية، لكن ما حدث كان العكس. وهذا يعكس إدراكاً بأن إبقاء الدولة خارج المعادلة لم يعد خياراً سهلاً، وأن دعم الجنوب يتطلب حكومة قادرة على التواصل مع الخارج.
احتضان سلام لا يعني اقتناع البيئة الشيعية به أو بجميع سياسات حكومته، بل قد يعكس حساباً أكثر واقعية لمصلحة الجنوب: لا إعمار من دون الدولة، ولا دعم من دون جسور مع الخارج، ولا يمكن مواجهة الجميع وانتظار مساعدتهم في الوقت نفسه.
وقد يكون المشهد مؤشراً إلى أن الثنائي بدأ يفتح خيارات جديدة، لا تراجعاً عن مواقفه، بل إدراكاً بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مرونة تحمي بيئة تواجه أزمات كبيرة. لذلك، بدت زيارة سلام اختباراً لمرحلة عنوانها أن الدولة لم تعد عبئاً يمكن وضعه جانباً، بل حاجة لا يمكن تجاهلها.
محمد المدني


