المحامي ميشال فلاّح
قلّما يلتفت اللبنانيون إلى أن جزءاً مهماً من أرض بلادهم ليس ملكاً لأفراد أو شركات أو للدولة، بل هو وقف: كنائس وأديرة ومساجد ومدارس ومستشفيات، ولكن أيضاً أراضٍ وأبنية ومحال وعقارات استثمارية ورثتها المؤسسات الدينية عبر قرون. وإلى جانب الوقف الديني والخيري، عرف لبنان «الوقف الذري» أو العائلي الذي ينشئه الشخص لمصلحة ذريته وفق شروط محددة.
إنها مؤسسة قانونية ضاربة في التاريخ، لكنها لا تزال حاضرة بقوة في الاقتصاد العقاري اللبناني. والسؤال اليوم ليس فقط: ما هو الوقف؟ بل أيضاً: هل النظام الذي يحمي هذه الثروة التاريخية قادر على إدارتها بكفاءة وشفافية؟
من السلطنة إلى الدولة اللبنانية
الوقف أقدم بكثير من لبنان الحديث. ففي النظام الإسلامي يقوم، في جوهره، على حبس أصل المال وتخصيص منافعه لغاية خيرية أو دينية أو عائلية. وقد عرف العهد العثماني تنظيماً واسعاً للأوقاف، وانتقلت أجزاء من ذلك الإرث القانوني إلى دولة لبنان الكبير، قبل أن تتشكل تدريجياً منظومة لبنانية تجمع بين التشريع العقاري والقوانين الخاصة بكل طائفة.
وهنا تظهر إحدى خصوصيات لبنان: لا يوجد قانون موحد واحد يحكم جميع الأوقاف الدينية. فالوقف يتقاطع مع قانون الملكية العقارية، وقوانين الأحوال الشخصية والطوائف، والأنظمة الخاصة بالمرجعيات الدينية، إضافة إلى شروط الواقف نفسها.
ويشكل القرار رقم 3339 الصادر سنة 1930، المتعلق بالملكية العقارية، ركناً أساسياً في الجانب العقاري. فهو يقرر أن الوقف العقاري لا ينتج مفعوله القانوني إلا من تاريخ قيده في السجل العقاري، ويحمي بعض العقارات الوقفية المخصصة للعبادة أو المستشفيات أو التعليم أو الاستعمال العام من اكتساب الحقوق عليها بمرور الزمن، ويحيل مسائل إنشاء الوقف وصحته وغايته وقسمته وإجارته واستبداله إلى القوانين الخاصة.
أوقاف دينية… وأخرى عائلية
ليس كل وقف دينياً بالمعنى الضيق. فالوقف الخيري يخصص ريعه لمسجد أو كنيسة أو مدرسة أو مستشفى أو عمل اجتماعي. أما الوقف الذري أو العائلي فينشأ لمصلحة ذرية الواقف أو أشخاص يحددهم، وقد شكل تاريخياً وسيلة للمحافظة على الثروة العائلية ومنع تفتيتها وانتقالها خارج الأسرة.
وقد كان الوقف الذري موضوعاً تشريعياً وفقهياً لبنانياً قائماً بذاته منذ النصف الأول من القرن العشرين، وتظهر المؤلفات القانونية اللبنانية المتخصصة فيه منذ الأربعينيات مدى رسوخ المؤسسة وتعقيد أحكامها.
أما إدارة الوقف الديني فتختلف باختلاف الطائفة. ففي الأوقاف الإسلامية السنية مثلاً يشكل المرسوم الاشتراعي رقم 18/1955 وتعديلاته الإطار المؤسسي الأساسي، ويتولى المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى سلطة إصدار الأنظمة المتعلقة بإدارة الأوقاف الخيرية ومراقبة المديرية العامة للأوقاف ودوائرها في المناطق. وللطوائف الأخرى أنظمتها ومرجعياتها الخاصة، ومنها النظام القانوني الخاص بالطائفة الإسلامية الشيعية، فضلاً عن الأنظمة الكنسية التي تحكم أوقاف الطوائف المسيحية.
وهكذا، نحن أمام تعدد قانوني وإداري يعكس أصلاً البنية الطائفية للنظام اللبناني.
ولكن… كم تملك الأوقاف؟
هنا تبدأ المفاجأة، وتبدأ معها المشكلة أيضاً. لا تتوافر قاعدة رسمية وطنية منشورة تتيح إعطاء رقم دقيق ومحدث لمجمل العقارات الوقفية في لبنان. وهذا النقص في ذاته يستحق التوقف عنده. لكن دراسة حديثة اعتمدت بيانات من مديرية الشؤون العقارية كشفت حجم الظاهرة. ففي بيروت وجبل لبنان وحدهما، أحصت بيانات تخص الأوقاف المارونية والأرثوذكسية والسنية 14,774 عقاراً وقفياً. ومن البيانات التي أمكن تحديد مساحاتها، بلغ مجموع مساحة 2,414 عقاراً فقط نحو 10.7 كيلومترات مربعة، أي ما يعادل قرابة 60% من المساحة الإدارية لبيروت.
والأهم أن الدراسة وجدت، في عينات من العقارات المارونية في كسروان وبعبدا، أن غالبية كبيرة من الأراضي المسجلة غير مبنية. هذه الأرقام لا يجوز تعميمها على لبنان كله، ولا على جميع الطوائف، لكنها تكفي للدلالة على أننا أمام ثروة عقارية هائلة، لا مجرد مجموعة دور عبادة.
الحماية القانونية: إيجابية أم عبء؟
لفكرة الوقف فضائل يصعب إنكارها. فهي حافظت عبر أجيال ممتلكات خصصت للتعليم والعبادة والصحة والعمل الاجتماعي، ومنعت بيعها وتبديدها كلما تغير المسؤولون عنها. كما أن استقلال المال الوقفي عن الملكية الشخصية للقائمين عليه يشكل، نظرياً، ضمانة للاستمرارية بين الأجيال.
لكن القوة نفسها قد تتحول إلى نقطة ضعف. فالتشدد في إخراج العقار الوقفي من التداول، وتعقيد الاستبدال والاستثمار والإيجار، وتعدد المرجعيات القانونية والإدارية، قد يجعل عقاراً بالغ القيمة الاقتصادية مجمداً أو ضعيف المردود بدلاً من توظيفه لتحقيق الغاية التي أوقف من أجلها.
وتكشف صعوبة الوصول إلى بيانات موحدة عن الملكيات الوقفية مشكلة إضافية: الشفافية. فإذا كانت الأوقاف تدير ثروة عقارية بهذه الضخامة، يصبح مشروعاً السؤال عن وجود جردة وطنية حديثة، وقواعد واضحة للتقييم والاستثمار، وحوكمة ومحاسبة ونشر دوري للبيانات. ولا يعني ذلك المساس باستقلال الطوائف أو إرادة الواقفين. فالشفافية ليست مصادرة للوقف، بل قد تكون أفضل وسيلة لحمايته.
من حماية الوقف إلى تنميته
ربما تكمن المشكلة اللبنانية في أن القانون نجح تاريخياً في الإجابة عن سؤال: كيف نحمي الوقف من الضياع؟ لكنه يحتاج اليوم إلى إجابة أكثر حداثة عن سؤال آخر: كيف نحميه من الجمود؟
فبين بيع الأملاك الوقفية بلا ضوابط وتجميدها إلى الأبد مساحة واسعة يمكن للقانون الحديث أن يتحرك فيها: حوكمة أفضل، جردة عقارية رقمية، تقييم دوري، رقابة مالية، قواعد شفافة للإيجار والاستثمار، وتمييز بين العقار الذي تشكل عينه جزءاً من الغاية الوقفية، كدار العبادة، والعقار الاستثماري الذي يفترض أن ينتج دخلاً لخدمة تلك الغاية.فالوقف، في النهاية، ليس مجرد عقار ممنوع التصرف به. إنه مال ذو رسالة.
وإذا كان اللبنانيون قد نجحوا عبر قرون في حفظ أصله، فإن التحدي القانوني والاقتصادي اليوم هو في جعل هذا الأصل يؤدي وظيفته: أن تتحول الثروة الوقفية من ملكيات محفوظة في السجلات إلى طاقة حقيقية للتعليم والصحة والسكن والثقافة والتكافل الاجتماعي. فأفضل حماية للوقف ليست أن يبقى العقار قائماً فقط، بل أن تبقى الغاية التي أُنشئ من أجلها حيّة أيضاً.


