المحامي ميشال فلاّح
قبل نحو ستة أسابيع من الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول المقبل، لم تعد المسألة مجرد سباق بين بنيامين نتنياهو ومنافسيه، بل معركة على هندسة الخريطة التي ستولد منها الحكومة المقبلة. أحدث الاستطلاعات تمنح غادي آيزنكوت أفضلية متزايدة، لكن النظام الإسرائيلي لا يكافئ بالضرورة الحزب الأول، إنه يكافئ من يستطيع جمع 61 نائباً من أصل 120. وهنا، تحديداً، تبقى الانتخابات مفتوحة.
الصورة التي ترسمها استطلاعات أيلول ليست موحدة. خمسة استطلاعات نُشرت بعد إقفال لوائح المرشحين أظهرت حزب «ياشار» بقيادة آيزنكوت أولاً في أربعة منها، فيما وضع استطلاع i24NEWS الليكود في الصدارة. ومتوسط هذه الاستطلاعات أعطى ياشار 23.6 مقعداً مقابل 21.8 لليكود، لكنه كشف في الوقت نفسه عن تعادل شبه كامل بين الكتلتين: 53.6 مقعداً لمعسكر نتنياهو، إذا احتُسب معه حزب عوفر وينتر، مقابل 53.4 للمعارضة الصهيونية، فيما نالت الأحزاب العربية في المتوسط 12.2 مقعداً.
لكن استطلاعاً أحدث نشرته «معاريف»، وأُجري في 9 و10 أيلول، قدّم صورة أكثر سوءاً لنتنياهو: «ياشار» 25 مقعداً، والليكود 19 فقط، وهو أدنى مستوى له منذ أيار 2025، فيما حصلت أحزاب المعارضة على 58 مقعداً مقابل 50 لمعسكر الحكومة و12 للأحزاب العربية. والأكثر دلالة أن آيزنكوت تقدم على نتنياهو في سؤال «الأنسب لرئاسة الحكومة» بنسبة 50% مقابل 38%، كما تقدم نفتالي بينيت على نتنياهو 45% مقابل 40%.
هذه الأرقام لا تعني أن الانتخابات حُسمت، لكنها تسمح باستنتاج أكثر وضوحاً مما كان ممكناً قبل أسابيع: آيزنكوت أصبح، في معظم الاستطلاعات، المنافس الفردي الأقوى لنتنياهو، لا مجرد مفاجأة انتخابية.
ورئيس الأركان السابق ينافس نتنياهو تحديداً في المنطقة التي بنى الأخير جزءاً أساسياً من شرعيته السياسية عليها: الأمن. آيزنكوت ليس يسارياً بالمعنى الإسرائيلي التقليدي، وخلفيته العسكرية تجعل من الصعب اختزاله في صورة «المعارضة الضعيفة أمنياً». وإلى جانبه تحالف نفتالي بينيت ويائير لابيد، ثم أفيغدور ليبرمان والديمقراطيون بقيادة يائير غولان.
المشكلة أن جمع هذه القوى في خانة واحدة داخل استطلاع أسهل بكثير من جمعها داخل حكومة.
وتظهر هنا عقدة الرقم 61. ففي استطلاع أوردته El País حصلت قوى المعارضة اليهودية الأربع الكبرى – ياشار، وتحالف بينيت-لابيد، والديمقراطيون وإسرائيل بيتنا – على 57 مقعداً، ويمكنها نظرياً بلوغ 61 إذا انضم إليها تحالف يوآف هندل-يارون زليخا. لكن هذا الحزب نفسه يدور حول عتبة الحسم، ويظهر داخل الكنيست في بعض الاستطلاعات وخارجه في أخرى. وهذه ليست مسألة تقنية. عتبة الـ3.25% قد تكون أحد المفاتيح الفعلية للانتخابات.
لذلك خاض نتنياهو معركة موازية لتوحيد اليمين ومنع تبديد الأصوات. اندمج حزب بتسلئيل سموتريتش مع حزب موشيه فيغلين، بينما رفض إيتمار بن غفير الاندماج معهما، ورفض الجنرال السابق عوفر وينتر أيضاً الانضواء في قائمة موحدة. ومن هنا يصبح سقوط حزب واحد تحت العتبة قادراً على تغيير ميزان الكتل بأربعة مقاعد أو أكثر.
لبنان يدخل الحملة… والتفاوض أيضاً
هنا تكتسب مرتفعات علي الطاهر أهمية تتجاوز الجغرافيا العسكرية. ففي 10 أيلول أعلنت إسرائيل تدمير شبكة تحت الأرض في المنطقة بطول يقارب كيلومترين، وقال الجيش الإسرائيلي إنه استخدم نحو 1100 طن من المتفجرات، فيما سُجلت هزة بقوة 4.1 درجات.
انتخابياً، يستطيع نتنياهو توظيف العملية ضمن روايته الأساسية: إسرائيل التي تلقت ضربة 7 أكتوبر استعادت المبادرة وأصبحت تنقل المعركة إلى أرض خصومها. وكل عملية كبيرة في لبنان تساعده على نقل السؤال من «من يتحمل مسؤولية 7 أكتوبر؟» إلى «من يستطيع إنهاء الحرب بشروط إسرائيل؟».
لكن التطور الأحدث يجعل الصورة أكثر تعقيداً. ففي 13 أيلول أفادت رويترز، نقلاً عن مسؤول في الخارجية الأميركية، بأن لبنان وإسرائيل سيلتقيان مجدداً في روما خلال تشرين الأول للتقدم نحو اتفاق أمني برعاية أميركية، بعدما أخفقت جولات سابقة في حسم الملفات العالقة. كما يُنتظر أن يلتقي السفيران اللبناني والإسرائيلي في واشنطن قبل ذلك.
وهذا يعني أن «ورقة لبنان» قد تدخل مرحلة جديدة في الأسابيع الأخيرة من الحملة. فإذا استطاع نتنياهو الجمع بين التفوق العسكري وبين مسار سياسي يقدمه للإسرائيليين باعتباره تثبيتاً لترتيبات أمنية جديدة على الحدود الشمالية، فقد تتحول الجبهة اللبنانية من عبء انتخابي إلى عنصر في سردية «النصر».
أما إذا تعثر التفاوض، أو تجدد التصعيد، أو بقيت إسرائيل عالقة في جنوب لبنان من دون تسوية واضحة، فقد ينقلب الأمر عليه: حرب طويلة، قوات منتشرة خارج الحدود، تكلفة اقتصادية وعسكرية متزايدة، وجبهة لم تصل إلى خاتمة سياسية.
7 أكتوبر يعود إلى صندوق الاقتراع
التطور الآخر الذي ينبغي عدم التقليل من شأنه هو عودة مسؤولية 7 أكتوبر بقوة إلى قلب الحملة. فقد أثارت تقارير نُشرت أخيراً ادعاءات جديدة بأن نتنياهو تلقى قبل هجوم 2023 تحذيراً يتعلق بنوايا حماس، وهو ما نفاه نتنياهو. وسارع آيزنكوت وبينيت إلى استخدام القضية للمطالبة مجدداً بتحقيق مستقل في الإخفاقات التي سبقت الهجوم.
والأرقام تظهر لماذا تشكل المسألة خطراً انتخابياً عليه. فبحسب «مؤشر الصوت الإسرائيلي» الصادر عن المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، قال 68% من اليهود الإسرائيليين إن أحداث 7 أكتوبر تشكل عاملاً مركزياً في تحديد الحزب الذي سيصوتون له. كما أن السياسة الخارجية والأمن تتصدر الاعتبارات الانتخابية لدى الناخب اليهودي.
وهنا تكمن المعضلة الأساسية لنتنياهو: كلما سيطر الأمن على الانتخابات، ازدادت قدرته على تقديم نفسه قائداً زمن الحرب، لكن الأمن نفسه يعيد فتح السؤال الذي يريد الهرب منه: كيف حدث 7 أكتوبر في عهده؟
المعركة الحقيقية: من يستطيع تركيب الحكومة؟
إلى جانب الحرب، تبقى ملفات الداخل ثقيلة: تجنيد الحريديم، العبء على جنود الاحتياط، الاقتصاد وكلفة المعيشة، مسؤولية 7 أكتوبر، والانقسام حول المؤسسات وطبيعة الدولة. وبالتالي قد يصل نتنياهو إلى ليلة 27 تشرين الأول وقد خسر معركة «الحزب الأكبر»، لكنه لم يخسر بعد معركة الحكومة.
تحالفه الطبيعي يبقى الليكود، شاس، يهدوت هتوراه، القوة اليهودية لبن غفير، تحالف الصهيونية الدينية–فيغلين، ومعهم عوفر وينتر. إلا أن معظم الاستطلاعات لا تمنح هذه التركيبة 61 مقعداً، وإن كان استطلاع i24NEWS الاستثنائي قد أوصلها إلى 60.
أما آيزنكوت، فمشكلته معاكسة، قد يمتلك الكتلة الانتخابية الأكبر، وربما أغلبية شعبية أوضح في سؤال رئاسة الحكومة، لكنه يحتاج إلى تحويل معسكر متنوع أيديولوجياً إلى ائتلاف قادر على الحكم، من دون الاعتماد على الأحزاب العربية إذا أصر شركاؤه على رفض ذلك.
وهنا يظهر متغير ثالث قد يصبح «صانع الملك»: تحالف هندل-زليخا. دخوله الكنيست بأربعة مقاعد أو سقوطه تحت العتبة قد يرسم خطاً فاصلاً بين حكومة نتنياهو، وحكومة تغيير، ومأزق سياسي يقود إلى مفاوضات طويلة على حكومة وحدة.
الخلاصة، حتى 14 أيلول، أصبحت أكثر وضوحاً، نتنياهو لم يعد متصدراً انتخابياً في معظم الاستطلاعات، وآيزنكوت لم يعد مجرد منافس صاعد. إنه اليوم المرشح الذي يمتلك أفضل زخم انتخابي فردي. لكن ذلك لا يجعله بعد المرشح الأوفر حظاً لتشكيل الحكومة بالضرورة.
وهذه هي المفارقة الإسرائيلية، آيزنكوت قد يفوز في صناديق الاقتراع، فيما يبقى نتنياهو قادراً على الفوز في المفاوضات التي تبدأ بعد إغلاقها. لذلك لن يكون السؤال الأهم مساء 27 تشرين الأول: من جاء أولاً؟ بل من تجاوز العتبة؟ ومن بقي تحتها؟ ومن يمتلك 57 أو 58 نائباً وقادراً على العثور على النواب الثلاثة أو الأربعة الباقين؟
وبين علي الطاهر وروما، وبين 7 أكتوبر وتجنيد الحريديم، وبين الحرب وصندوق الاقتراع، يمكن لحادث عسكري واحد، أو اتفاق سياسي واحد، أو حزب يحصل على 3.24% بدلاً من 3.25%، أن يقرر من سيحكم إسرائيل.


