المحامي ميشال فلاّح
ثمة كنائس ندخلها فنرى حجراً ومذبحاً وقبة وأيقونات، وثمة كنائس أخرى ما إن نعبر عتبتها حتى نشعر بأننا دخلنا في ذاكرة أناس سبقونا إلى الصلاة. كأن الجدران احتفظت بأصواتهم، وكأن المقاعد تعرف أسماءهم، وكأن المذبح ما زال يحمل شيئاً من دموع الذين وقفوا أمامه، شاكرين حيناً، وخائفين حيناً، ومتعلقين دائماً برجاء أكبر من تعب الحياة.
من هذا النوع تبدو كاتدرائية مار بطرس وبولس للسريان الأرثوذكس في المصيطبة. فهي ليست مجرد مَعلم كنسي في أحد أحياء بيروت القديمة، بل صفحة من قصة جماعة جاءت إلى المدينة مثقلة بذاكرة الفقد والاقتلاع، ولم يكن معها الكثير مما تستطيع أن تحمله سوى إيمانها ولغتها وطقسها وذاكرة آبائها. ثم فعلت ما تفعله الجماعات التي تريد أن تعيش لا أن تمرّ، صلّت، وبنت كنيسة، وأنشأت مدرسة، وربّت أبناءها، وصارت جزءاً من بيروت.
من بيت صغير بدأت الحكاية
تعود ذاكرة الجماعة إلى العائلات السريانية التي قدمت إلى لبنان من مناطق الأناضول في أعقاب المآسي التي أصابت مسيحيي المنطقة في السنوات الأخيرة من الدولة العثمانية وما تلا الحرب العالمية الأولى. وتفيد الرواية التاريخية المتداولة عن الكاتدرائية بأن عدد العائلات السريانية في تلك المرحلة كان يقارب مئتي عائلة.
لكنهم لم يبدأوا بكاتدرائية. بدأوا ببيت. في شارع المعلوف في المصيطبة، في دار الياس عبس، كان المؤمنون يجتمعون للصلاة. وتكاد هذه الصورة تختصر الحكاية كلها، جماعة فقدت أمكنة كثيرة، فتجتمع في منزل وتحوّله بالصلاة إلى كنيسة مؤقتة. فالكنيسة، في معناها الأول، لم تكن حجراً. كانت جماعة. وحين كبرت الجماعة، كبر معها الحلم بأن يكون لها بيت صلاة دائم. وهكذا قامت كاتدرائية هامتي الرسل بطرس وبولس. وتروي المصادر المتداولة عن تاريخها أن المؤمنين أنفسهم شاركوا في تشييدها، من كان يملك المال قدّم المال، ومن لم يكن يملكه قدّم عمله.
وهنا تأخذ الحجارة معنى آخر. فالحجر الذي يشتريه الغني والحجر الذي يحمله العامل بيديه يلتقيان في الجدار نفسه. ولا يعود السؤال: من دفع أكثر؟ بل من أعطى مما لديه؟ لهذا لا تبدو مار بطرس وبولس صرحاً شُيّد لجماعة فحسب، بل صرحاً شيّدته الجماعة بنفسها. وقد احتفظت الذاكرة الكنسية بهذه الحقيقة. فعندما أعيد ترميم الكاتدرائية وتأهيلها وتكريسها لاحقاً، استعاد الخطاب البطريركي ذكر الآباء الذين بذلوا، بحسب تعبيره، جهوداً وأتعاباً كبيرة في تشييدها، مستحضراً أجيال الأحبار والكهنة والشمامسة والمؤمنين الذين صلّوا على مذبحها.
كنيسة تحمل ذاكرة شعب
ومع مرور السنوات، لم تعد مار بطرس وبولس مكاناً للصلاة وحدها. صارت عنواناً للحضور السرياني الأرثوذكسي في بيروت، وارتبطت بها حياة عائلات كاملة، فيها العماد والزواج والجناز. منها خرجت مواكب الفرح، وإليها دخلت توابيت الأحبة، وأمام مذبحها وقف آباء يقدّمون أطفالهم للمعمودية، ثم عاد الأطفال أنفسهم بعد عقود يحملون أبناءهم. وهكذا تصنع الكنائس القديمة تاريخها الحقيقي.
ليس التاريخ دائماً أسماء بطاركة ومطارنة وسنوات بناء وترميم. ثمة تاريخ آخر لا تدوّنه الوثائق بسهولة، امرأة أشعلت شمعة من أجل ابنها، رجل دخل الكنيسة مثقلاً بهمّ وخرج منها أخف وطأة، طفل حفظ أول صلاة، شمّاس تعلّم أول لحن سرياني، وعائلة وجدت في الكنيسة مكاناً تبقى فيه ذاكرتها حية. وهذا تحديداً ما جعل مار بطرس وبولس جزءاً من ذاكرة المصيطبة نفسها، لا ذاكرة السريان وحدهم.
فالمصيطبة لم تكن يوماً جزيرة مغلقة. كانت، مثل بيروت، مكاناً تتجاور فيه الكنائس والمساجد، وتتشابك فيه حياة الناس قبل أن تسألهم المدينة عن مذاهبهم. وفي هذا المحيط عاشت الجماعة السريانية إيمانها.
المدرسة إلى جانب الكنيسة
ولأن الكنيسة التي تريد أن تحفظ المستقبل لا تستطيع أن تكتفي بحفظ الماضي، نشأت إلى جانبها مدرسة مار ساويريوس. لم تكن المدرسة مبنى مضافاً إلى الكنيسة بقدر ما كانت امتداداً لفكرتها. فالكنيسة تحفظ الإيمان، والمدرسة تفتح العقل. الكنيسة تسلّم التراث، والمدرسة تعطي الجيل الجديد أدوات الدخول إلى العالم.
ويحفظ تاريخ المؤسسة أسماء مربين ارتبطوا بها سنوات طويلة، ومنهم عبد المسيح طرزي الذي تولى إدارة المدرسة، ومالك مالك الذي ارتبط بالإدارة والنشاط الكشفي السرياني الأرثوذكسي. وقد بقيت المدرسة في ذاكرة أجيال من أبناء المنطقة، لا بوصفها مؤسسة تعليمية فحسب، بل مساحة لقاء بين الهوية السريانية والانتماء البيروتي.
ومن هنا ربما نفهم سر العلاقة بين المدرسة والكاتدرائية، كان المطلوب ألا يكون الطفل السرياني أسير الماضي، ولا مقطوعاً عنه. أن يعرف من أين جاء، لكي يعرف إلى أين يذهب.
نيسان 1970… حين رفعت بيروت عينيها إلى القبة
لكن في ذاكرة مار بطرس وبولس صفحة مختلفة عن سائر الصفحات. صفحة ما زال الذين تناقلوا قصتها يتحدثون عنها بلغة الإيمان والدهشة. في نيسان من عام 1970، بدأت بين تلامذة مدرسة مار ساويريوس رواية عن مشاهدة نور فوق قبة الكنيسة وحولها. ثم خرجت القصة من حدود المدرسة، وانتقلت من بيت إلى بيت ومن شارع إلى شارع، وبدأ الناس يتوافدون إلى المصيطبة.
ويذكر المرجع التوثيقي أن المشاهدات استمرت، وفق الذاكرة المتناقلة، قرابة شهرين، وأن جموعاً من طوائف ومذاهب مختلفة قصدت المكان. لا يستطيع التاريخ أن يأمر الإيمان بما ينبغي أن يراه، كما لا ينبغي للإيمان أن يطلب من التاريخ أن يثبت ما يتجاوز أدواته. لذلك يمكننا أن نقول بثقة إن رواية النور أصبحت جزءاً من الذاكرة الدينية للكاتدرائية والمصيطبة، وإن الناس تناقلوها واحتشدوا بسببها. أما ما رآه كل واحد منهم، وما اختبره في داخله، فذلك ينتمي إلى منطقة أكثر حميمية بين الإنسان وإيمانه.
وربما كانت القيمة الأعمق للحادثة في مشهد آخر، بيروت المتعددة كانت واقفة أمام كنيسة سريانية صغيرة نسبياً، تنظر إلى القبة. لم يكن الواقفون جميعاً سرياناً، ولا جميعهم أرثوذكس، ولا حتى جميعهم مسيحيين. بعضهم جاء مؤمناً، وبعضهم متسائلاً، وبعضهم يريد فقط أن يرى ما يتحدث عنه الآخرون. لكنهم، للحظات، رفعوا رؤوسهم معاً.
وفي مدينة ستدخل بعد خمس سنوات فقط واحدة من أحلك حروبها، تبدو تلك الصورة اليوم أشبه بذكرى من لبنان آخر، أناس مختلفون تجمعهم الدهشة بدلاً من أن تفرقهم الهوية.
الذين مرّوا وبقي أثرهم
تعاقب على خدمة أبرشية بيروت وكنائسها مطارنة وكهنة وشمامسة كثيرون. والأسماء مهمة، لأن الكنيسة لا تعيش خارج التاريخ، لكن الأهم أن كل جيل سلّم الأمانة إلى الجيل الذي يليه. وفي العقود الحديثة استمرت الكاتدرائية في أداء رسالتها، وعرفت أعمال ترميم وإعادة تأهيل أعادت إليها رونقها. ويصف مصدر رسمي صادر عن دائرة الدراسات السريانية في البطريركية مناسبة إعادة تقديسها بعد الترميم، مستعيداً تاريخ الآباء الذين شيدوها، ومشيراً إلى أن راعي أبرشية بيروت آنذاك كان المطران مار أثناسيوس أفرام برصوم.
وفي عام 2008 دخلت الأبرشية مرحلة جديدة مع مار إقليمس دانيال كورية مطراناً لأبرشية بيروت في 18 تموز من ذلك العام. استمرت بذلك السلسلة التي بدأت قبل أن يولد معظم الذين يدخلون الكنيسة اليوم. يتغير الراعي، ويتغير الكاهن، ويكبر الطفل الذي كان يخدم في المذبح، ويرحل الذين جلسوا سنوات في المقاعد الأمامية، لكن الصلاة تستمر. وهذا ربما هو المعنى الأعمق للتقليد الكنسي، أن نستلم شيئاً لم نصنعه وحدنا، ونحافظ عليه لكي نسلّمه إلى أشخاص قد لا نعرف أسماءهم.
حين تصبح الغربة وطناً
اليوم، من يقف أمام مار بطرس وبولس في المصيطبة قد يرى كاتدرائية تاريخية ومدرسة وحيّاً تغير كثيراً عما كان عليه قبل قرن. لكن خلف المشهد المرئي حكاية أكبر. هناك أولئك الذين وصلوا إلى بيروت وقد تركوا وراءهم بيوتاً وقرى وذكريات. وهناك البيت الصغير في شارع المعلوف الذي صار كنيسة لأن الناس اجتمعوا فيه للصلاة. وهناك المؤمن الذي دفع من ماله، والآخر الذي لم يجد مالاً فقدّم يديه للبناء. وهناك المعلم والكاهن والشمّاس والتلميذ والكشاف. وهناك الذين وقفوا في شوارع المصيطبة سنة 1970 رافعين أبصارهم نحو القبة.
وربما هنا تكمن القيمة التراثية الحقيقية لمار بطرس وبولس. فالتراث ليس أن نحافظ على حجر قديم لأنه قديم. التراث أن نعرف لماذا وضع آباؤنا ذلك الحجر هناك أصلاً. لقد أرادوا بيتاً يصلّون فيه، ومدرسة يتعلم فيها أبناؤهم، ومكاناً يستطيعون أن يقولوا فيه، بعد الخوف والهجرة والاقتلاع. نحن هنا، وسنبقى هنا، لكننا لن ننسى من نحن. وبعد أكثر من قرن على البدايات، ما زالت الكاتدرائية تقول الشيء نفسه. ليس بصوت مرتفع، فالحجارة المؤمنة لا تحتاج إلى الصخب.
يكفي أن يدخل الإنسان، وأن ينظر إلى المذبح والقبة، وأن يتذكر أن الذين بنوا هذا المكان لم يكونوا يعرفون ماذا سيحدث بعد مئة سنة. كانوا يعرفون شيئاً واحداً فقط، أن عليهم أن يزرعوا. وأن يتركوا للرب أمر الحصاد.
وهكذا أصبحت مار بطرس وبولس أكثر من كنيسة للسريان الأرثوذكس في المصيطبة. أصبحت شاهداً على واحدة من أجمل معجزات الوجود الإنساني، أن يأتي الإنسان إلى مكان غريب حاملاً جراحه، فيبني فيه مذبحاً ومدرسة، ثم تمر السنوات، فلا يعود المكان غريباً، ولا يعود الإنسان عابراً.
تصبح الصلاة بيتاً. وتصبح الذاكرة جذوراً. وتصبح بيروت وطناً.


