لم تعد الصحافة كما كانت أداة تعميم للأخبار و وسيلة اطلاع على المستجدات ووسيلة حوار حول مختلف شؤون المجتمع الوطنية والسياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية والبيئية وكذلك وسيلة تحفيز واصلاح وتطوير الأنظمة المعتمدة على انواعها وتحفيز التنمية البشرية والاقتصادية والسياسية والثقافية بمختلف قطاعاتها ..
فبعد العولمة وثورة الاتصالات وصولا الآن الى الذكاء الصناعي طرأت على القيمة المضافة للصحافة والاعلام ان من حيث الوسائل او الانتشار او الحاجات مؤهلات مستجدة وادوار جديدة اخرجت دورها من اطار صناعة الرأي العام الى إطار صناعة الحدث ..
وهكذا دخلت الصحافة والاعلام عموما عالم وسائل السيطرة وتحقيق الاهداف ..بحسب مواقعها و المسالك المطلوبة ..
وطبعا وكما كل التحولات المستجدة في اتباع الثقافة الغربية القائمة على المصلحة دخل التمويل ليس كعنصر مسهل للانتاج بل تحول الى عنصر حاسم يحدد نوعية الانتاج الصحافي والاعلامي واهدافه دون الأخذ بعين الاعتبار كل المنظومة المهنية والاخلاقية التي تدحرجت بسقوط تدريجي على درج الزبائنية والارتزاق ..
وهكذا باتت حرية الصحافة التي كانت تشكل المرتكز الأخلاقي الاساسي لتحقيق المهنية الصحافية والاعلامية والدور المجتمعي للصحافة اداة يمكن تحويلها بسهولة الى عامل اساسي في اسقاط المنظومة الاخلاقية وفي التحول نحو بث الكراهية والعنصرية والتشجيع على القتل والقهر وضرب المنظومة الحقوقية وكذلك ضرب مفاهيم ومرتكزات العدالة والتدمير المجتمعي والتفتيت على حساب التطور والتنمية …
من هنا لم يعد موضوع حرية الصحافية موضوعا رومانسيا فوق الشبهات ويحمل قيمة القدسية بل بات يجب ان يكون موضع نقاش وتساؤل حول المضمون الفعلي لحرية الصحافة وحول ارتباط هذا المضمون بمعايير قادرة على تمكين حرية الصحافة من اخذ معناها الاساسي في التمكين من اخضاع ممارسة المهنة لمنظومة اخلاقية وقيمية وانسانية واضحة وكذلك اخضاع دور المهنة لمنظومة التطوير المجتمعي وصناعة الرأي العام القادر على تحقيق الحرية والكرامة والتنمية للأوطان والمجتمعات ..
وقد يفسر البعض بجهالة ان في ما اقوله هو دعوة لإخضاع الصحافة الى سلطة رقابة او الذهاب نحو الصحافة الموجهة وهذا في الحقيقة ما ارفضه حكما لانه سيطرح فورا سؤالا كبيرا حول جهة الرقابة وكذلك حول الجهة المؤهلة للتوجيه ..واسس الرقابة واسس التوجيه وفوق ذلك كله سؤالا كبيرا حول من اعطى او يعطي اي جهة صفة العفة والقدسية والكمال المطلق والشفافية لإعطائها هذه المسؤولية ..؟؟؟
ان ما اطرحه بالفعل هو اعادة الاعتبار للمهنة وللحرية ولحرية ممارسة المهنة من خلال المنافسة على الحقيقة وعلى القيمة المضافة للمهنة وذلك عبر تحويل ما يسمى الاعلام الرسمي الى اعلام عمومي مستقل يكون منافسا قويا هدفه المصلحة العامة و تضمن استقلاليته بنية تعطل التدخلات وادارة مهنية تلتزم اخلاقيات مهنية ثابتة تشكل شرعة وطنية مقوننة وتكون هي المعيار والميزان للعمل الصحافي والاعلامي وتوضع من قبل اصحاب المهنة ومؤسسات المجتمع المدني المنتخبة المعنية بالحقوق الانسانية …
ومثل هذا الأمر يجب ان يكون مشروع رؤية وطنية تحاكي الواقع والحاجات الوطنية على المستوى التنموي الشامل الداخلي وعلى مستوى الامن القومي وعلى مستوى الانفتاح في المجالات الاممية وعلى مختلف الاصعدة …
وانطلاقا مماسبق وذكرته اطرح بعض المنطلقات لملاحظات على مشروع قانون الاعلام الذي يستعد مجلس النواب اللبناني الى اقراره تحت مسميات وتوجهات غير حقيقية ولا تعدو عن كونها شعارات كاذبة للتغطية على اهداف مضمورة …
مشروع قانون اعلام زبائني
————————————-
فكما العادة وكما معظم القوانين في “لبنان الخدمات ” يتم وضع مشروع قانون جديد للإعلام ويصل الى مرحلة الاقرار من دون رؤية فعلية للاعلام ودوره واختلاف الادوار …
مشروع قانون زبائني مبني على الدور الخدماتي للاعلام الخدمات السياسية والاقتصادية والوطنية والسيادية لمصلحة من يمول ..و لا يميز بين مفاهيم اساسية بسبب جهل واضعيه بهذه المفاهيم ومنها :
-الفارق بين الاعلام وبين الصحافة بالمعنى الحالي العالمي للكلمة ..؟؟
- الفارق بين حرية التعبير وبين حرية الصحافة ..؟؟
-الفارق ببن الاعلام صانع الحدث وبين الاعلام صانع الرأي العام ؟؟؟ - الفارق بين الصناعة الاعلامية وبين المؤسسية الاعلامية؟؟؟؟
- جهل علاقة الدور الوطني السيادي للصحافة بطرق التمويل وماذا يعني شعار ربط تمويل الصحافة بالاقتصاد الوطني ؟؟!!!
-جهل معنى وكيفية ووسائل تحويل الاعلام الرسمي الى اعلام عمومي ؟؟؟؟ - جهل معنى وتعريف الاعلام العمومي ومضامينهما ؟؟؟؟
- جهل دور الاعلام العمومي في تحقيق المعنى الحقيقي لحرية الصحافة ..!!؟
ويمكن تعداد الكثير من موجبات توافر رؤية للإعلام والصحافة التي تغيب عن مشروع القانون وعن فكر واضعيه حتى لو استعانوا بما يسمى “خبراء من الخارج” كما يفعلون بفعل عقد النقص المزمنة ..؟؟؟!!!
والمعيب هو ان تستعين بأحد من الخارج ليضع لك رؤية وطنية ؟؟؟؟؟؟ وهو ما يحصل في السياسة وفي الاقتصاد وفي الادارة وفي المشاريع وغيرها في لبنان وبعض الدول العربية فنصل عادة الى السياسات الزبائنية ؟؟؟؟
ان وضع قانون لتنظيم الترخيص للمؤسسات خصوصا في ظل “الحاجة “للترخيص للاعلام الرقمي المستجد على اعتبار ان تنظيم هذا الترخيص يجعل القانون حديثا و عصرياً فهو سخافة ما بعدها سخافة وضحالة فكرية تدعو الى الشفقة ؟؟؟!!!!!!!
والاسخف حين يدعي من ينجزون مشروع القانون ان همهم الاساس هو حرية الاعلام وهم في بلد يعيش فلتانا شاملا يصل الى حد الفلتان الاخلاقي والاعلام العاهر والاعلام المحرض والاعلام البوق ..!!!؟؟؟ اضف الى ذلك ان من ينجزون هذا القانون لا يميزون الفارق بين حرية التعبير وبين حرية الصحافة ولا يعرفون معايير هذا التمييز …؟؟؟؟؟؟
انطلاقا من ذلك اتخذت نقابة محرري الصحافة اللبنانية قرارا بطلب وقف اقرار هذا المشروع واعادة درسه من قبل لجنة خاصة وبمشاركة المعنيين من هيئات مهنية وهيئات حقوقية ..


