” حكمة دى فانس” : واشنطن تساعد ولا تنوب … ! (جوزف القصيفي)

” عهد التدخلات العسكرية وإرسال آلاف الجنود لتغيير الانظمة إنتهى ، وجيشنا لن ينوب عن الشعوب في تقرير مصيرها.” هذا الكلام الذي نقل على لسان نائب الرئيس الأميركي جيه دى فانس يضيء على واقع جديد في التعامل الأميركي مع الدول والشعوب. في العشرين من كانون الأول 1989 أطاحت الولايات المتحدة الاميركية بالجنرال مانويل نورييغا بعدما وقفت إلى جانبه وسمحت له بحكم بنما، وكانت الذريعة جاهزة: الفساد، الدكتاتورية والاستئثار. وفي التاسع عشر من آذار 2003 غزا الجيش الأميركي الذي قاد تحالفا دوليا العراق ودخل بغداد واطاح بالرئيس صدام حسين، وكانت الحجة غب الطلب: أسلحة الدمار الشامل، ورفع خطرها، واشاعة الديموقراطية. يطول تعداد المرات التي تدخلت فيها واشنطن عسكريا، أمنيا، استخباراتيا في شؤون الدول من أميركا اللاتينية، آسيا ، أفريقيا، الشرق العربي ، وكان للبنان من هذا التدخل نصيبه في العام 1982إلى العام 1984.وفي 15 تموز من العام 1958 نفذ 14000 جنديا أميركيا إنزالا بحريا على شاطيء خلده بأمر من الرئيس دوايت ايزنهاور استجابة لطلب رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك كميل شمعون الذي قرر الاستعانة ب” مبدأ إيزنهاور” وهو يجيز لواشنطن مد يد العون للدول التي تستجير بهذا المبدأ لمواجهة ما كان يطلق عليه في تلك المرحلة” الخطر الشيوعي”. وظلت هذه القوة الاميركية التي أقلها الأسطول السادس في لبنان حتى 25 تشرين الاول من العام نفسه. تدخل واشنطن العام 1982 تحت علم القوة المتعددة الجنسية، انتج مفاعيل عكسية ، وشكل هزيمة سياسية وميدانية لواشنطن، وهي باتت معروفة من الجميع. وفي العام 1958 أنتجت تسوية سياسية قادت اللواء فؤاد شهاب إلى سدة الرئاسة الأولى. لكن المعطيات والوسائل تغيرت اليوم ، ولم يعد في مكنة الولايات المتحدة الاميركية إنزال جيوشها في بلدان، خصوصا إذا كانت بمساحة الجمهورية الاسلامية في إيران البالغة 1, 648, 195كلم 2 ، وعدد سكانها : 93 مليون نسمة, 1. إلا ان ما اشار اليه دى فانس ، وهو منطقي، لا يمنع – كما لم يمنع سابقا- الولايات المتحدة من أن تعمل على اسقاط انظمة، وحصد رؤوس، وزرع فوضى، وإسقاط عروش، بعمليات خاطفة كما فعلت مع مادورو فنزويللا ، ومصدق إيران في زمن الشاه، والليندي تشيلي. على أنها سعت إلى تكرار هذه السيناريوهات أخيرا عندما استطاعت إغتيال مرشد الجمهورية الاسلامية السيد علي خامنيئي والعديد من افراد المنظومة القيادية العليا في طهران، لكنها لم تحقق غايتها في اسقاط النظام. لم يبق إذن إلا الرهان على الشعوب، وهو رهان لا يستقيم دائما. وفي إيران كانت التجربة غير موفقة حتى آلان. ولذلك ، فان واشنطن شرعت تستعين باذرع في داخل البلدان التي تريد اسقاط انظمتها وخارجها ايضا بانماط شتى: ميليشيات محلية، تنظيمات عسكرية وامنية مسلحة، الحرب السيبرانية، العقوبات المالية، الحصار الافتصادي، الحملات الاعلامية الممنهجة الهادفة الى ” شيطنة” الخصم وتدميره معنويا. من هنا ،فان واشنطن لن تلجأ الى حرب واسعة النطاق، وتحديدا الى إجتياح لايران أو اي دولة تناصبها العداء، خصوصا إذا لم تقنع دولا حليفة بالانضمام اليها،بل ستعمد الى حروب موضعية لاهداف محددة، تتفاوت في شدتها علها تؤدي أغراضها في زعزعة الانظمة المعادية لها، او تحريض الشعوب للانتفاض عليها واسقاطها.
إن الولايات اامتحدة لن تقوى بزندها مباشرة ان تحقق ما يصعب تحقيقه، في الوقت الذي يحبس فيه حلفاؤها زنودهم لانعدام القدرة أو الرغبة. إن الادارة الاميركية في مواجهتها المفتوحة مع طهران تفتح بابا مواربا: صفقة مقبلة لم تنضج ظروفها بعد ،وهي قد تطول. أو تترك لتقلبات الوضع الداخلي في هذا البلد ان تفصل في موضوع لا يمكن التكهن بمآله ،ولاسيما في هذه المرحلة.