حين تغيب الدولة… لا يحق للبلديات أن تغيب


عصام شلهوب -ورد الآن


لم تعد السرقات أحداثًا عابرة، بل أصبحت ظاهرة تضرب الأحياء السكنية في وضح النهار، من سن الفيل إلى حرج تابت وسواهما من المناطق. وعندما تتكرر الاعتداءات على السيارات والمنازل وحتى دور العبادة، فإن السؤال لا يجب أن يكون فقط: أين الدولة؟ بل أيضًا: أين البلدية؟

فالبلديات ليست مجرد إدارات لجباية الرسوم والضرائب البلدية وإصدار الرخص، بل هي، وفق قانون البلديات اللبناني، سلطة محلية تتمتع بصلاحيات واسعة في حماية النظام العام ضمن نطاقها، والمحافظة على السلامة العامة، وإنشاء جهاز شرطة بلدية وتفعيله، وتأمين المراقبة، واتخاذ الإجراءات الوقائية التي تحدّ من الجرائم والاعتداءات.

إن تقاضي البلديات الرسوم من المواطنين يرتب عليها واجبات واضحة، أولها تأمين الحد الأدنى من الأمن المحلي عبر شرطة بلدية فاعلة، ودوريات منتظمة، والتنسيق المستمر مع قوى الأمن الداخلي، وتركيب كاميرات مراقبة في النقاط الحساسة، وإنارة الشوارع، والاستجابة السريعة لشكاوى المواطنين. فلا يجوز أن تبقى الشرطة البلدية مجرد عنصر لتنظيم السير أو تحرير محاضر مخالفات البناء، فيما يشعر المواطن بأن منزله وسيارته وممتلكاته أصبحت مكشوفة أمام اللصوص.

إن المادة 49 من قانون البلديات (المرسوم الاشتراعي رقم 118/1977) أناطت برئيس البلدية مسؤولية المحافظة على الأمن والنظام والسلامة العامة ضمن النطاق البلدي، كما أجاز القانون إنشاء جهاز للشرطة البلدية ووضعه في خدمة هذه الغاية. وهذه الصلاحيات ليست شكلية، بل مسؤولية قانونية تستوجب المبادرة والعمل وعدم انتظار وقوع الجريمة.

قد لا تكون البلدية بديلاً عن الدولة أو عن الأجهزة الأمنية، لكنها شريك أساسي في الوقاية من الجريمة، وكل تقاعس عن تفعيل الشرطة البلدية واتخاذ الإجراءات الوقائية يطرح علامات استفهام حول كيفية إنفاق الرسوم التي يدفعها المواطنون مقابل خدمات يفترض أن يحصلوا عليها.

اليوم، المطلوب من المجالس البلدية ورؤسائها أن يعيدوا ترتيب أولوياتهم. فأمن الناس ليس مشروعًا مؤجلًا، ولا بندًا ثانويًا في الموازنة، بل هو أول واجب من واجبات السلطة المحلية. فالبلدية التي تجبي الرسوم مطالبة أيضًا بأن تؤدي واجبها، لأن حماية المواطن وممتلكاته ليست منّة، بل حق يكفله القانون، ومسؤولية لا يجوز التهرب منها