السيادة في لبنان… بين الشعار والواقع (عصام شلهوب) وجوه واحداث


تكاد لا توجد كلمة تُستخدم في الحياة السياسية اللبنانية أكثر من كلمة “السيادة”. يتنافس السياسيون على رفعها شعاراً، ويقدم كل فريق نفسه بوصفه الحارس الأمين لها، فيما يتهم خصومه بالتفريط بها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل ما يعيشه لبنان اليوم يعكس فعلاً دولة ذات سيادة، أم أن السيادة تحولت إلى عنوان للاستهلاك السياسي أكثر منها واقعاً قائماً؟

في مفهومها البسيط، السيادة تعني أن تكون الدولة صاحبة القرار النهائي على أرضها، وأن تحتكر وحدها استخدام القوة، وأن تدير حدودها وعلاقاتها الخارجية واقتصادها بعيداً عن أي وصاية أو إملاء. وهي تعني أيضاً أن يخضع الجميع للقانون نفسه، وأن تكون المؤسسات الدستورية وحدها المرجع في اتخاذ القرارات المصيرية.

غير أن الواقع اللبناني يرسم صورة أكثر تعقيداً. فمنذ عقود، لم يكن القرار الوطني بمنأى عن التأثيرات الخارجية. تبدلت العواصم المؤثرة، وتغيرت موازين القوى الإقليمية والدولية، لكن النتيجة بقيت واحدة: لبنان غالباً ما كان ساحة لتقاطع المصالح أكثر منه دولة تفرض إرادتها المستقلة.

فالاستحقاقات الكبرى، من انتخاب رئيس الجمهورية إلى تشكيل الحكومات، ومن رسم السياسات الأمنية إلى معالجة الأزمات الاقتصادية، كثيراً ما ارتبطت بتفاهمات أو تجاذبات خارج الحدود. وفي المقابل، نشأت في الداخل مراكز نفوذ تمتلك من القدرة السياسية أو العسكرية أو المالية ما يجعل قرار الدولة في كثير من الأحيان موضع تفاوض لا موضع تنفيذ.

وفي ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن السيادة انتقائياً. فمن يرفض تدخلاً خارجياً قد يبرر تدخلاً آخر إذا جاء من حليف سياسي. ومن يرفع شعار استقلال القرار الوطني قد لا يجد حرجاً في انتظار إشارة من الخارج لحسم استحقاق داخلي. وهكذا تتحول السيادة إلى مفهوم يُستخدم بحسب المصلحة السياسية، لا باعتباره مبدأ ثابتاً لا يقبل التجزئة.

ولعل المفارقة الأكبر أن معظم القوى السياسية اللبنانية تتحدث عن السيادة، بينما تمتلك في الوقت نفسه علاقات وثيقة بمحاور إقليمية أو دولية تؤثر في خياراتها. فمن الصعب إقناع اللبنانيين بأن القرار وطني خالص فيما التصريحات والمواقف تتبدل تبعاً لتبدل مواقف العواصم المؤثرة.

إن السيادة ليست خطاباً انتخابياً، ولا مؤتمراً صحافياً، ولا بياناً حزبياً. السيادة تُقاس بقدرة الدولة على فرض القانون على الجميع، وباحتكارها وحدها للسلاح الشرعي، وباستقلالية قرارها القضائي، وبإدارة حدودها وثرواتها من دون وصاية، وبقدرتها على اتخاذ قراراتها الوطنية انطلاقاً من مصالح اللبنانيين وحدهم.

ومن هنا، فإن انتقاد السياسيين لا ينبع من اختلاف في الشعارات، بل من التناقض بين الأقوال والأفعال. فمن غير المنطقي أن يطالب مسؤول بالسيادة وهو يستقوي بالخارج على خصومه في الداخل، أو أن يتحدث آخر عن استقلال القرار فيما يربط مواقفه بحسابات إقليمية أو دولية. والسيادة لا تُقاس أيضاً بانتقاء التدخلات؛ فرفض تدخل دولة وقبول تدخل أخرى لا يصنع دولة مستقلة، بل يبدل فقط جهة الارتهان.

لقد أثبتت التجربة اللبنانية أن أخطر ما يهدد السيادة ليس التدخل الخارجي وحده، بل استعداد بعض القوى الداخلية للاستعانة بهذا التدخل كلما تعارضت مصالحها مع خصومها. وعندما يصبح الخارج حكماً دائماً في النزاعات الداخلية، تفقد الدولة تدريجياً قدرتها على إنتاج قرارها الوطني الحر.

إن استعادة السيادة في لبنان لا تبدأ بالشعارات، بل بإعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وترسيخ مبدأ أن الجميع، من دون استثناء، يخضعون للدستور والقانون، وأن الولاء الأول والأخير هو للبنان لا لأي محور أو عاصمة. عندها فقط تصبح السيادة حقيقة يعيشها المواطن، لا كلمة تتكرر في الخطب والبيانات.

فالسيادة ليست ملكاً لفريق سياسي دون آخر، وليست سلاحاً في معركة إعلامية، بل هي شرط وجود الدولة نفسها. وكلما بقيت رهينة الاصطفافات الداخلية والارتهانات الخارجية، سيبقى اللبنانيون يسمعون كثيراً عن السيادة… ويعيشون القليل منها.