إتفاق الاطار : إرادة التنفيذ ومؤشرات التعثر…!! (جوزف القصيفي)

يجاهر رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو أن جيش دولته سيبقى في الجنوب إلى فترة غير محددة بذريعة تدمير كل منشآت ” حزب الله” وبنيته العسكرية والامنية محصنا بالاتفاق الاطاري الذي لا يحدد مهلا واضحة للانسحاب من المناطق التي يحتلها جنوبا، خصوصا تلك الاستراتيجية المطلة على مستعمراتها الشمالية بغرض إقامة حزام أمني لحمايتها من اي تهديد مستقبلي. وفي المقابل، فان لبنان الرسمي يعتبر انه حقق انجازا بوقف إطلاق النار يبنى عليه لتسريع وتيرة انسحاب لا بد أن يحصل بضمانة أميركية. ولكن باي ثمن؟ في الواقع أن هذا الاتفاق حصد ريبة واسعة لدى فئة وازنة من اللبنانيين، لاسيما الطائفة الشيعية التي علت فيها أصوات رافضة له، وبعضها ثائرة تدعو إلى الانتفاض عليه. ولا يقتصر الأمر على الطائفة الشيعية وقواها السياسية الرئيسة، بل على شخصيات لبنانية بارزة أمثال وليد جنبلاط الذي تساءل عن سبب تغييب ذكر إتفاق الهدنة بين لبنان واسرائيل في آذار 1949 برأس الناقوره، وهو في نظره يشكل الاطار الأصلح لإدارة الوضع بين البلدين اللذين ما زالا دستوريا وقانونيا( أقله من جانب لبنان) في حال عداء. هناك من يعتقد أن الاصوات المعترضة والداعية إلى تحرك ميداني رفضا للاتفاق الاطاري لن تقوى على اي أمر ، وهي لا تقوم الا بالتهويل الذي لم يعد يجدي. لكن هذا الكلام غير منطقي، وفيه قدر من التحدي قد يدفع بالوضع إلى أسوأ مما هو عليه. وبالتالي يجب التفتيش عن بدائل لخفض التوتر ونقل الحوار إلى الطاولة بدلا من المضي في لعبة المكاسرة المدمرة. وهنا تتجه الانظار إلى دور لكل من رئيس المجلس النيابي نبيه بري والوزير والنائب السابق وليد جنبلاط اللذين يتسمان بقدر من الصلابة والمرونة ، بما يتيح لهما تحريك صمامات الأمان لمنع تفجر الأوضاع وتمددها على نحو مقلق. وأن البيان الاخير الصادر عن قيادة الجيش مساء السبت المنصرم يضيء على خطورة الوضع في الشارع، ويتهيب الصدام المباشر مع من يلجأ إليه ، خصوصا أنه خاضع لاوامر السلطة السياسية التي يتعين عليها تقدير دقة الموقف. ولأن لبنان هو بلد طوائفي بامتياز ، فان اي قرار مصيري يتخذ من دون أن يتأمن له الحد الأقصى من التغطية الميثاقية، فإنه سيكون عرضة للاهتزاز، أو للانقلاب عليه من الطرف المتضرر، وهذا ما حصل سابقا. لذلك، فان الالتفات إلى ما يجري في الوسط الشيعي،هو من الضرورة بمكان لتفادي اي مفاجأة. إن لبنان بعد توقيع إتفاق الاطار أمام الصورة آلاتية: أ- إسرائيل التي تتصرف وكأن لواء النصر قد عقد لها، وتستعد للبقاء في الجنوب إلى أمد غير محدد قد يطول لسنوات. وقد تتعامل مع مواقع إستراتيجية في هذه المنطقة كما تعاملت مع الجولان منذ العام 1967 حتى اليوم. ب- ” حزب الله” الذي لا يعترف بهذا الاتفاق ويرفض تسليم سلاحه معتبرا أن إسرائيل هي قوة محتلة تجيز القوانين الدولية والوطنية مقاتلتها ومقاومتها بكل الأساليب بدءا من العصيان المدني إلى المواجهة المسلحة. ج- الدولة اللبنانية التي تقول ان الاتفاق الذي تم التوصل اليه في واشنطن هو أقصى ما استطاعت الحصول عليه بعد مفاوضات شاقة، وأن الهدف الرئيس منه هو ضمان انسحاب إسرائيل، وأن نجاح تنفيذه يسرع من وتيرة هذا الانسحاب ويساعد على استتباب الأمن على جانبي الحدود. وتنفي أن يكون هذا الاتفاق ” صك أذعان واستسلام” كما يرى معارضوه. مصادر خبيرة في شؤون العلاقات العربية – الإسرائيلية تجد أن تل أبيب ما إعتادت على الغالب الايفاء بتعهداتها، وهي تتقن أساليب المناورة والالتفاف لتجاوز القرارات الدولية والاتفاقات الثنائية، وأن أمثلة قرارات مجلس الامن الدولي 242 و338 ، واتفاق اوسلو لا تزال ندية في الاذهان. وبالتالي هل يستطيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلزام الحكومة الاسرائيلية باحترام ما وقعته في واشنطن؟ وكيف يمكن للدولة اللبنانية إلزام ” حزب الله” بما اتفقت عليه مع تل ابيب الذي يعرف أن إسرائيل اشترطت لانسحابها تجريده من سلاحه من دون أن تتعهد بذلك أو تبلغ ” الوسيط ” الأميركي البادي الانحياز لها خطيا، رافضة الالتزام بروزنامة زمنية لتحقيق الانسحاب. وهو يعتبر أن الدعوة إلى تسليم سلاحه والانسحاب من البلدات والقرى الموجود فيها، كالدعوة إلى ” المقصلة”. في أي حال، فان في قاموس السياسة لا يوجد تحديدا علميا لمصطلح” إتفاق إطار”، مما يترك الباب مشرعا أمام تأويلات وتفسيرات وقرارات متباينة بين مؤيدي نتائج إجتماعات واشنطن والمناوئين لها. لكن الواضح أن حظوظ تعثر ” ” الاتفاق الاطاري” مرتفعة، وأن الوضع سيكون مفتوحا على مفاجآت من الصعب التكهن بوجهتها.وعلى الرغم من زعم واشنطن وتل أبيب من أن هذا الاتفاق عزل طهران،ونحاها عن أي ملف يتصل بمحاولة حل موضوع الحرب الإسرائيلية على لبنان، فان المراقبين يجمعون على أن الواقعية السياسية تفرض قراءة موضوعية لا تعزل التأثير الايراني على مجريات الوضع في لبنان وهو إحدى مواد البحث الجاد الدائر في سويسرا بين الولايات المتحدة والجمهورية الاسلامية. وستظهر نتائج هذا البحث في ختام مهلة الستين يوما التي حددها إتفاق إسلام آباد . فإما الدخول إلى الحل ولو تدريجا أو إنتظار تطورات لا قدرة للبنان على تحمل اوزارها. أصاب الرئيس نبيه بري عندما حذر من الفتنة. لننتظر ولا نستعجلن الأمور.فالتطورات متسارعة والبلاد تغلي كالمرجل.ف” الليالي من الزمان حبالى/ مثقلات تلدن كل عجيب”