عصام شلهوب – وجوه وأحداث
مضتِ الأيام التي كانت تُدار فيها الأزمات بالوكالة، والتقى الرأسان فوق قمة الحقيقة الصادمة؛ فالتوقيعُ التاريخي والمباشر الذي وضعه رئيسا أمريكا وإيران، دونالد ترامب ومسعود بزشكيان، لم يكن مجرد حبر سُكب على ورق، بل زلزال سياسي جرف معه خطوط تل أبيب الحمراء، ليضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مواجهة “أمر واقع” مرير، دفع به نحو تحركات انتحارية في اللحظات الأخيرة.
لم يعد النزاع خلف الأبواب المغلقة يدور حول هواجس أو احتمالات، بل تحول إلى معركة كسر عظم حقيقية وحرب “تسميم البنود التفصيلية”. وفي هذا الصدد، فجّرت شبكة “سي أن أن” (CNN) الأمريكية مفاجأة مدوية كشفت فيها تفاصيل “خطة الالتفاف الكبرى” التي يقودها نتنياهو لاختراق واشنطن من الداخل، مستعيناً بحلفائه وصقور الكونغرس لنسف هذا الاتفاق المقضيّ وإفساد ملحقاته الفنية قبل أن تستوي على سوقها.
جدارُ الصمت الأمريكي والتخوف من الخيانة الدبلوماسية
تجلّت أولى ملامح هذه المواجهة العاصفة في قرار أمريكي حاسم عكس عمق أزمة الثقة بين الحليفين؛ حيث فرضت إدارة ترامب جداراً من السرية المطلقة، رافضة إطلاع إسرائيل على تفاصيل المذكرة المبرمة. ولم يكن هذا المنع إجراءً بروتوكولياً عابراً، بل نبع من مخاوف حقيقية وهواجس عميقة لدى البيت الأبيض من قيام نتنياهو بتسريب البنود الحساسة للإعلام عمداً لإحباط المسار، وتأليب الرأي العام لتفخيخ الصفقة في مهدها وتشتيت الزخم الدبلوماسي الذي قاده ترامب بجرأته المعهودة.
ذئاب الإعلام وصقور الكونغرس
أمام هذا الطوق الدبلوماسي، لم يقف المخطط الإسرائيلي عند حدود الغضب، بل انتقل إلى هجوم مضاد شرس في العمق الأمريكي عبر شبكة معقدة من الحلفاء والوكلاء. ووفقاً للتحقيقات الموثقة، شرع نتنياهو في توجيه منصات إعلامية يمينية أمريكية بارزة ومقدمي “بودكاست” مؤثرين لشن حملة شعواء تطعن في جدوى الصفقة وتصورها في ثوب “الاستسلام”.
بالتوازي مع ذلك، تحرك صقور الكونغرس الموالون لتل أبيب لمحاصرة ترامب وتكبيل يديه خلال مهلة الستين يوماً الحاسمة المخصصة للصياغات التفصيلية، عبر محاولة فرض شروط تعجيزية تقضي بتفكيك كامل الترسانة الصاروخية والنفوذ الإقليمي لطهران؛ وهي شروط تدرك إسرائيل تماماً أن طهران لن تقبل بها، مما يضمن انهيار الطاولة الدبلوماسية بلمحة بصر وتحويل التوقيع التاريخي إلى مجرد حبر ميت.
لغمُ لبنان
وحين استعصت السياسة في واشنطن بعد توقيع ترامب وبزشكيان، نقل نتنياهو المعركة إلى الميدان عبر تمرد عسكري مباشر يسعى لتفجير الاتفاق بالدم والنار. وتعتمد خطته الحالية على توجيه ضربات عسكرية عنيفة وخاطفة تخترق التهدئة في لبنان، ضارباً بعرض الحائط البند الأساسي في الاتفاق الذي ينص على الإنهاء الفوري والكامل للعمليات العسكرية على كافة الجبهات، والذي بموجبه فُتح مضيق هرمز ورُفع الحصار البحري الأمريكي.
إن الإصرار الإسرائيلي على التصعيد، والتمسك بالبقاء في جيوب أمنية داخل الجنوب اللبناني، يهدف بوضوح إلى استدراج طهران وحلفائها نحو رد فعل خشن وواسع، يضع إدارة ترامب في مأزق أخلاقي وسياسي، ويجبرها على إلغاء التفاهمات الموقعة والعودة إلى مربع المواجهة العسكرية الشاملة، تحقيقاً للتهديدات السابقة بإمطار طهران بالقنابل إن هي أخلّت بالتزاماتها.
رهانُ اللحظات الأخيرة
في نهاية المطاف، تجسد هذا الشرخ التاريخي في إبلاغ نتنياهو الرئيس الأمريكي صراحة وبأقوى العبارات المتحدية أن إسرائيل لن تعتبر نفسها ملزمة بهذا الاتفاق بأي حال من الأحوال، وهو ما اختصره في تصريحه العلني اللامع: “هذا الخلاف يحدث في أفضل العائلات.. أنا ورئيس أمريكا لا نتفق دائماً، وأنا مسؤول عن أمن إسرائيل”.
تراهن الرؤية الإسرائيلية اليوم على أن شياطين التفاصيل الكامنة في ملحقات الاتفاق كفيلة بنسفه من الداخل، انطلاقاً من قناعة نتنياهو العميقة بأن إيران لن تقبل أبداً بفرض قيود حقيقية ودائمة على طموحها النووي. وبين حبر التوقيع ولغم الميدان، تبدو المنطقة بأسرها معلقة فوق فوهة بركان ثائر قد ينفجر في أي لحظة، ليعيد صياغة خرائط النفوذ بالحديد والنار.
خبر عاجل
-
حبرٌ على فُوَّهة بركان: حرب الأوراق المقضيَّة ومناورات الانتحار الدبلوماسي لنتنياهو
-
بشكل مفاجئ.. تأجيل سفر نائب ترامب إلى سويسرا لتوقيع مذكرة التفاهم مع إيران
-
قراءة في صحف اليوم
-
المبارزة تتصاعد بين “المنطقة الأمنية” و”البند الإيراني”… جولة المفاوضات الخامسة أمام فرصة اختراق متقدّم؟
-
” إتفاقية تعاون ” بين الجامعة العربية المفتوحة وبيروت ماراثون في المجال الرياضي


