الثقافة السياسية.. حين يمتد الإيمان ليصنع التاريخ
لعلّ من علامات هذا الزمن أن تعود جريدة “الدستور” إلى الصدور، حاملةً على كتفيها إرثًا يمتدّ قرنًا كاملًا من الفكر والمسؤولية، ومؤكدةً في لحظة تاريخية دقيقة أنّ الحاجة اليوم لم تعد إلى خطاب سياسي عابر، بل إلى إعادة تأسيس الثقافة السياسية على رؤية أكثر عمقًا واتساعًا؛ رؤية لا تفصل الأرض عن السماء، ولا ترى في الشأن العام مجرد إدارة للمصالح أو صراعًا على النفوذ، بل تعتبره انعكاسًا للمشيئة الإلهية في التاريخ، وتجسيدًا لمسؤولية الإنسان في العمران والعدالة وخدمة الخير العام.
فالثقافة السياسية، في معناها الأصيل، ليست خطابًا احتجاجيًا أجوف، ولا استعراضًا إعلاميًا يستهلكه الزمن الرقمي بسرعة، وليست أيضًا فنّ المناورة الجافة في دهاليز السلطة. إنها، في جوهرها، امتداد طبيعي للإيمان الحيّ، لأن الإيمان المسيحي ليس انسحابًا من العالم ولا انغلاقًا داخل الجدران، بل طاقة روحية ونقدية تدفع الإنسان إلى إصلاح مجتمعه على ضوء الحق. ومن هنا يصبح الانخراط في الشأن العام واجبًا أخلاقيًا وروحيًا، لا مساومة فيه بين القيم السماوية ومتطلبات الزمن، بل سعيًا دائمًا إلى إخضاع الزمن لخدمة الأبد، وتحويل السياسة من أداة هيمنة إلى مساحة لإدارة الاختلاف بالعدالة والمحبة.
وفي هذا السياق، تبدو الفلسفة الأوغسطينية أكثر راهنية من أي وقت مضى، حين ميّزت بين مدينة الله المؤسسة على المحبة الإلهية، ومدينة الأرض المحكومة بالأهواء والمصالح الضيقة. فذلك التمييز لا يدفع إلى القطيعة مع العالم، بل إلى قراءته بوعي نقدي يفرّق بين السياسة بوصفها ممارسة يومية وآليات حكم وصراعات مؤسساتية، وبين السياسي بوصفه فضاءً فلسفيًا وقيميًا يحدّد معنى العيش المشترك، ويؤسّس للعقد الاجتماعي والخير العام. وأزمتنا الحديثة تكمن، في جانب كبير منها، في تضخّم تفاصيل الممارسة السياسية على حساب جوهرها الأخلاقي والروحي، ما أنتج ثقافة استهلاكية تفصل المواطنة عن المسؤولية، وتحوّل العمل العام إلى ساحة ضجيج بدل أن يكون مجالًا للبناء.
من هنا يبرز الدور التاريخي للكنيسة والفكر الروحي في إعادة البوصلة إلى موضعها الصحيح. فالكنيسة لم تكن يومًا غريبة عن بناء الإنسان والمجتمع، ولم يكن الراهب، في الشرق أو في الغرب، هاربًا من العالم، بل كان في قلبه، يسهم في ترميمه كلما تصدّع. وفي الأزمنة التي شهدت انهيارات كبرى، تحوّل الدير إلى مختبر حقيقي لإعادة بناء الحضارة: إنسانيًا من خلال صون الكرامة، وتربويًا بحفظ المعرفة وتأسيس المدارس، واقتصاديًا بتكريس قيمة العمل والتنمية، وسياسيًا عبر تصويب المسارات والوقوف في وجه الظلم والدفاع عن الضعفاء. لذلك ليس مستغربًا أن يعود الناس، في لحظات الأزمات الوجودية، إلى الكنيسة بوصفها مرجعية أخلاقية ثابتة وسط تحوّلات السياسة المتقلبة.
واليوم، فيما يقف العالم على أعتاب ثورة تكنولوجية غير مسبوقة، تواجه الثقافة السياسية أزمة معنى جديدة، تتفاقم تحت وطأة الخوارزميات وسرعة التحوّل الرقمي. وفي هذا المشهد، لا يتراجع الدور الروحي، بل يتّسع ليشمل مساءلة الذكاء الاصطناعي من منظور أخلاقي وإنساني. فالكنيسة لا تقف في موقع العداء للعلم، ولا في موضع الارتياب العقيم من التطور، بل في موقع السهر على أنسنة التكنولوجيا وضبط مساراتها الأخلاقية، حتى تبقى أداة في خدمة الإنسان والسياسة الرشيدة وتعميق المعرفة، لا صنمًا جديدًا يسلب الإنسان كرامته وإرادته الحرة. وهنا يلتقي الإيمان والسياسة عند نقطة جوهرية واحدة: حماية الإنسان بوصفه كائنًا مخلوقًا على صورة الله ومثاله.
في خضم هذه التحديات، تعود جريدة “الدستور”، باسمها الدالّ على معنى العهد والعدالة، وبمضمونها الفكري الرصين، لتقترح ثقافة سياسية بديلة تقاوم التسطيح وتستعيد المعنى. إنها لا تطرح السياسة بوصفها منافسة على السلطة فحسب، بل باعتبارها مسؤولية حضارية وأخلاقية تبدأ من الإنسان، من كرامته ووعيه وحاجته إلى الحقيقة. وكما بدأت الرسالة المسيحية من المذود، ومن غسل أرجل التلاميذ، فإن كل مشروع إصلاحي حقيقي يبدأ من القاعدة، من خدمة الإنسان، قبل أن يبلغ قمم القرار والتأثير. هكذا تولد “الدستور” من جديد، لا كمجرد عودة إعلامية، بل كمساحة فكرية ورسالة وطنية تسعى إلى تصحيح المسارات، ومرافقة هموم الناس، والإسهام في صناعة فجر جديد من المسؤولية والوعي والعطاء.
الأب بشارة الخوري ر.م.م
رئيس جامعة سيّدة اللويزة


