درجت في فترة الحرب اللبنانية، وما بعدها ، عندما كانت تحتدم الأوضاع ويبلغ الصراع الداخلي مداه الاقصى، وينقسم الناس حول خيارات سياسية خارجية أو داخلية، عادة توصيف من يتطوع لاداء دور الاطفائي، أو يدعو إلى كلمة سواء، ويزين محاسن الاستمرار في تعميق ثقافة العيش الواحد والانطلاق إلى بناء المستقبل معا ب” ابو ملحم” : أديب حداد صاحب البرامج التوجيهية في ” تلفزيون لبنان” و” الإذاعة اللبنانية” في عصرهما الذهبي. وكان بعض السياسيين الذين يعملون على مراكمة “رصيدهم” الشعبي يستخدمون هذا التوصيف من قبيل التهكم أو الاعتقاد بأن الحلول الوسطى لم تعد تجدي في لبنان وأن ألاتجاه نحو الحسم السياسي في زمن الحرب المقنع بسلم موهوم، وزمن السلم الهش الذي يستودع بذور الحرب، هو أفضل السبل الممكنة لوضع حد للازمات. لكن تبين بالمعاينة والتجربة أن الجنوح نحو التطرف والتعصب، هو السائد لدى العديد من القوى السياسية والنخب ألتي تتجاهل الحقائق الموضوعية التي يرتكز إليها لبنان بصيغته الحاضنة للتنوع. هذه ألكلام لا يندرج في خانة ” الفانتازيا” الفكرية، وليس صورة شعرية متخيلة ، لكنه يجسد واقعا لوطن لا يلقي سلاحه مهما إشتدت عليه النوائب والمحن،ويبتكر أساليب ضامنة لاستمرار أنماط من الحياة التي تؤكد قدرة اللبنانيين على مواجهة مصيرهم بالحد الاقصى من الوحدة، والإصرار على عدم تجزئة وطنهم، وتشلعه، وسيادة شريعة الغاب فيه، بعدما اتعظوا بأن الخارج – اي خارج – لن يحمل اليهم خشبة الخلاص، وإن قادهم الظن إلى أي خلاصة من هذا القبيل، إنما هو ظن خادع يماثل السراب. هذا الكلام أيضا ما كان ليجد له مكانا،لولا أن فلتان ” الالسنة” على نحو مخيف وغير مسبوق بات يهدد السلم الاجتماعي بما يشحنه في النفوس من أحقاد، ويستحضر وقائع من أزمنة إصطبغ وجهها بالدم والدخان والرماد. وقد وجد أصحاب هذه الالسنة في وسائل التواصل الاجتماعي مجالا لتحقيق أغراضهم، وبث الأفكار والأخبار والمعلومات – صحيحة كانت أو ملغومة- كائنة ما ستكون النتائج وما سيترتب من تبعات قد تكون أشد فتكا وتدميرا من المدفع والصاروخ. إن ظاهرة خطاب الكراهية، والنزعة الالغائية، وعدم قبول آلاخر والحق في ألاختلاف متفشية في المجتمع اللبناني على نحو مثير للقلق، وهي ظاهرة تؤشر إلى تراكم ” حممي” يتفاعل وينذر بانفجار بركاني، وليس في هذا القول اي مغالاة. فهناك اكثر من ” بسوس بنت منقذ التميمية ” يلطو ويحرض. وكما هو معلوم ، فان تحريض البسوس بسبب مقتل ناقتها أدى إلى الحرب التي نسبت إلى المحرضة ودامت أربعين عاما. وأن الذي يتولى دور البسوس في لبنان من أي جانب، إنما يدعو إلى الحرب من دون أن يكون قد فقد ناقة أو جملا. ولهذا السبب، ، فان ثمة عملا عاجلا يجب أن يقوم ليشكل صمام أمان يبعد الصدام الذي تحول دونه الأفعال وليس النيات الحسنة فحسب. وفي هذا المجال يبرز دور المرجعيات الروحية، الجامعات، قادة الرأي،الصحافة والاعلام ، نقابات المهن الحرة كافة، الخبراء في مجالات القانون والتربية والاجتماع،في صوغ شرعة ” السلم المدني ” الذي ينطلق من المسلمات آلاتية: أ- نبذ خطاب الكراهية. ب- نشر قيم التسامح. ج- قبول آلاخر والحق في ألاختلاف. د- العدالة التي تصون حقوق الناس، وتلزمهم القيام بواجباتهم حيال القانون والمجتمع. ه- الحق في التعبير عن الرأي قولا وكتابة هو حق مقدس. لكن شرط عدم الانزلاق إلى ” ثقافة الكراهية” وما يترتب عليها من نتائج مدمرة للانسان والوطن. و- تخير الألفاظ والعبارات في التعبير عن أي موقف تأييدا أو إعتراضا،والابتعاد عن جارح الكلام ونابيه لأنه الشرارة الأولى للفتن .وأن ما شاع في أدبيات بعض المنصات و” الانجيئوز” من أن ” الشتيمة” ليست قدحا وذما، إنما هي وسيلة للتعبير عن إنتقاد أو رأي مناف ، هو مجرد ” فذلكة” وتبرير لا مكان لهما على أرض الواقع. خطاب الكراهية يجب ألا يتجذر في مجتمعنا اللبناني ليصبح حالة دائمة، ولا يمكن استخدامه على سبيل الضغط أو المناورة، ولاسيما على المستوى السياسي نظرا لمفاعيله الخطرة آنيا ومستقبليا. فهل ثمة من ينهض لهذه المهمة الحساسة والضرورية، فيبادر إلى مؤتمر يتنج منه عقد وطني – أخلاقي- إجتماعي يقي لبنان من السقوط في وهدة التداعيات التي يتسبب بها خطاب الكراهية؟ هناك من يعتبر أن ما نورده هو أقرب إلى التمنيات من الواقعية، ولكن ما الذي يمنع من تحول التمني إلى واقع؟


