حزب الله وإيران: أربعة عقود من النفوذ والتحولات في لبنان (عصام شلهوب ) وجوه واحداث


برز منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، جدل واسع حول طبيعة الدور الإيراني في المنطقة وحدود تأثيره على الدول العربية، وفي مقدمتها لبنان. ويكتسب هذا الجدل أهمية خاصة في ظل العلاقة العضوية التي نشأت بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحزب الله منذ تأسيس الأخير عام 1985، وما ترتب عليها من تداعيات سياسية وأمنية وعسكرية امتدت لعقود.

يرى العديد من الباحثين أن فهم العلاقة بين إيران وحزب الله يتطلب العودة إلى الأسس الفكرية التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية. فالدستور الإيراني يتضمن إشارات إلى دعم المستضعفين وتعزيز التضامن بين الشعوب والحركات الإسلامية، وهو ما اعتبره خصوم طهران أساساً لما عرف لاحقاً بسياسة «تصدير الثورة»، فيما ترى إيران أن هذه المبادئ تندرج ضمن التزاماتها العقائدية والسياسية تجاه قضايا المنطقة.

تأسس حزب الله في خضم الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وأعلن رسمياً عام 1985 ملتزماً بمبدأ ولاية الفقيه الذي يشكل أحد المرتكزات الفكرية للنظام الإيراني. وخلال سنوات الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، اكتسب الحزب شرعية واسعة داخل شريحة كبيرة من اللبنانيين والعرب من خلال دوره العسكري في مقاومة الاحتلال.

إلا أن دور الحزب لم يبق محصوراً في مواجهة إسرائيل، بل تحول تدريجياً إلى لاعب سياسي وأمني محوري في الداخل اللبناني، وإلى أحد أبرز أدوات النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط وفق توصيف العديد من مراكز الدراسات الغربية والعربية.

تفاهم نيسان 1996محطة مفصلية

شكل «تفاهم نيسان» عام 1996 إحدى المحطات الأساسية في مسار الصراع بين إسرائيل وحزب الله. فقد أرسى التفاهم قواعد اشتباك جديدة بعد عملية «عناقيد الغضب» الإسرائيلية، وكرس عملياً الاعتراف بوجود قوة عسكرية منظمة تقاتل الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان.

ويرى عدد من المحللين أن هذا الاتفاق لم يقتصر على تنظيم المواجهة العسكرية، بل ساهم أيضاً في تثبيت حضور إيران غير المباشر في المعادلة اللبنانية والإقليمية، عبر التنسيق الوثيق الذي كان قائماً آنذاك بين دمشق وطهران وحزب الله.

وعلى مدى العقود الماضية، تكرر الربط بين تطورات الملف اللبناني وبين مسار العلاقات الإيرانية – الأميركية. فقد تزامنت محطات عديدة في لبنان مع مراحل حساسة من التفاوض أو التوتر بين واشنطن وطهران، سواء في ملف الرهائن خلال الثمانينيات أو في مراحل لاحقة مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.

ومن هذا المنطلق، يعتبر بعض المحللين أن لبنان تحول في أكثر من مناسبة إلى ساحة لتبادل الرسائل السياسية والأمنية بين القوى الإقليمية والدولية، حيث انعكست الصراعات الكبرى على واقعه الداخلي واستقراره السياسي والأمني.

تبقى حرب تموز 2006 واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل. فبينما ينظر إليها أنصار حزب الله باعتبارها مواجهة فرضت معادلات ردع جديدة مع إسرائيل، يرى منتقدو الحزب أنها أدخلت لبنان في حرب مدمرة تجاوزت حدود القرار الوطني اللبناني.

وقد عاد هذا الجدل بقوة خلال السنوات اللاحقة مع ازدياد انخراط الحزب في ملفات إقليمية خارج الحدود اللبنانية، ما أعاد طرح السؤال القديم حول طبيعة العلاقة بين مقتضيات الدولة اللبنانية ومتطلبات المشروع الإقليمي الذي تنتمي إليه قوى لبنانية مرتبطة بمحاور خارجية.

تكشف تجربة العقود الأربعة الماضية أن لبنان كان ولا يزال ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية. وفي حين يؤكد حزب الله أن سلاحه وخياراته السياسية تهدف إلى حماية لبنان وردع الاعتداءات الإسرائيلية، يرى خصومه أن ارتباطه الاستراتيجي بإيران جعل جزءاً من القرار اللبناني مرتبطاً بحسابات تتجاوز الحدود الوطنية.

وبين من يرى في حزب الله قوة ردع تحمي لبنان ومن يعتبره امتداداً لنفوذ إقليمي يتجاوز حدود الدولة، يبقى الثابت أن لبنان دفع على مدى عقود أثماناً باهظة نتيجة تشابك ساحته الداخلية مع صراعات المنطقة. لذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في حسم السجال السياسي فحسب، بل في إعادة الاعتبار للدولة اللبنانية بوصفها المرجعية الوحيدة للقرار الوطني، بحيث لا يبقى لبنان صندوق بريد للرسائل الإقليمية والدولية، بل دولة سيدة قادرة على حماية مصالحها وصون استقرارها بعيداً عن تجاذبات المحاور وموازين القوى الخارجية.