حبيب شلوق
لم يكن 24 نيسان 1983 يوماً عاديا بالنسبة إلي، إذ في ذلك التاريخ “انتقلت إلى رحمتها” (زوجتي يولا صلاح الراسي) وكانت مراسم الإنتقال في بكركي، وراعي الإحتفال كان البطريرك مار انطونيوس بطرس خريش الصديق الذي يعرف ما يريد ويصرّ على ما يريد و لا يخشى ما يريد بل يجاهر به: “قوّصني … قوّصني…” فاتحاً عباءته على صدره. ألم يقل ذلك يوماً لأحد أبناء قومه المتظاهرين “برعاية رهبانية” إلى بكركي.
رحمه الله. قلة كانت تعرف ذلك البطريرك أنطونيوس خريش إبن بلدة عين إبل الجنوبية الصامدة مثله اليوم.

يومها سألني من ضمن مراسم الإكليل: “أيها الإبن الحبيب ….حبيب”… وكانت العبارة مثابة سجع، وأتبعها بضحكة…واكبه الحضور بها : “هل تريد أمة الله هذه يولا زوجة لك في السراّء والضراء؟” وأجبت “نعم”.
… وكان ما كان مما لست أذكره ) (بل مما لست أنساه) فظُنّ خيراً ولا تسأل عن الخبر.
كنا كلنا في حفلة الزفاف ووحده الصديق النائب البطريركي المطران نصرالله صفير غاب بسبب تمثيله البطريرك خريش في مأتم في تنورين ولكنه اعتذر عن عدم الحضور ووعدني بزيارتي للتهنئة في وادي شحرور ، وهذا ما حصل لاحقاً . وعاون البطريرك خريش في رتبة الإكليل المطران الصديق رولان أبو جودة والآباء الأصدقاء البر خريش وبولس صفير ويوحنا عويس.
كان في الزفاف سياسيون ورؤساء أحزاب ونواب ونواب سابقون وقادة وفي مقدمهم رئيس حزب الكتائب الشيخ بيار الجميل ورئيس مجلس حزب الكتلة الوطنية النائب اميل سلهب الذي طلب منه العميد ريمون إده المنفي في باريس أن يمثله أيضا، والأمين العام لحزب “القوات اللبنانية” رئيس حزب “التتنظيم” جورج عدوان وعدد كبير من أركان أحزاب الكتلة الوطنية و الوطنيين الأحرار والكتائب و”القوات” و”كتيبة” من الضباط، وحشد كبير من الأصدقاء بلغ المئات وهو حشد ملأ كنيسة سيدة بكركي وباحتها الداخلية الأمر الذي لفتني فيه أمين سر البطريرك السيد جان أبو جودة إلى أنه إحتفال الزفاف الأكبر في بكركي.
كثر لم يستطعوا الوصول إلى بكركي بسبب “العجقة” على الأوتوستراد وشدة الحر في عزّ نيسان، ومنهم الرئيس كميل شمعون الذي اتصل بي خلال التهانئ وقال: “وصلت عا نهر الكلب ولم أكمل الطريق… العجقة جنون، فرجعت”. وفي اليوم التالي أرسل هدية زفاف بواسطة مرافقه عبده جابر وهي صينية نحاس من محل كنته نايلة غبريال تابت والدة النائب كميل دوري شمعون الواقع في مبنى في سن الفيل (“سنتر ايفوار”) الذي كانت إدارة المحاسبة في جريدة “النهار” تشغل جزءاً منه.
والمهنئ الأبرز والأول الذي صعد إلى مذبح بكركي لتهنئتنا كان الشيخ بيار الجميل الذي تبين أن الزفاف كان أحدى المناسبات الإجتماعية الأولى بعد استشهاد نجله الرئيس الشيخ بشير الجميل في 14 أيلول 1982 وهو لم يتردد في الإعراب عن تهنئته الشخصية مشيراً إلى التقدير والمحبة اللذين كان يخصني بهما “الباش” وقال في غصة “بشير كان يحبك … اعتبرني عم هنيك شخصياً وبإسمه”.
يبقى أن أذكر أنني كنت استمتع بالجلوس مع البطريرك خريش والحديث معه، فضلاً عن اتصالي به كل مساء بواسطة خط هوائي يبدأ بالرقم……. 33 ـ01 … وأتحدث معه أكثر من نصف ساعة ملخِّصاً الأوضاع. وطبعاً كان الجميع يسمعنا بين “”نهار “الحمراء وبكركي،وفي مقدمهم المخابرات والأمن العام وسوريا … علماً أن شعبة المعلومات لم تكن أُنشئت بعد.
“قولوا الله… بعدنا طيبين” .
الصورتان: البطريرك خريش في البيت الأبيض مجتمعاً بالرئيس الأميركي رونالد ريغان، والشيخ بيار الجميل.


