لبنان بين رفض الوصاية واتهامات حزب اللهمن يفاوض إسرائيل ومن يملك قرار الجنوب؟(عصام شلهوب) – ورد الآن

عاد في خضم التصعيد الإقليمي المتواصل ، الجدل الداخلي اللبناني ليتخذ طابعاً أكثر حساسية وخطورة، بعدما اتهم حزب الله السلطة اللبنانية بأنها رفضت إدراج لبنان ضمن أي تفاهم أميركي – إيراني محتمل، في خطوة اعتبرها الحزب تفويتاً لفرصة حماية لبنان ضمن تسوية إقليمية كبرى قد تعيد رسم خرائط النفوذ والأمن في المنطقة.

غير أن السلطة اللبنانية تنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة تماماً. فبالنسبة إلى الدولة، فإن إدراج لبنان ضمن التفاوض الأميركي – الإيراني يعني عملياً الاعتراف بأن القرار اللبناني جزء من الملف الإيراني الإقليمي، وهو ما تحاول بيروت الرسمية تجنّبه منذ سنوات، خصوصاً في ظل الضغوط العربية والدولية المتزايدة لإعادة تثبيت مفهوم الدولة اللبنانية كمرجعية وحيدة في قرار الحرب والسلم.

لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بإدراج لبنان أو استبعاده من أي اتفاق، بل بما إذا كانت إسرائيل نفسها ستلتزم بأي تفاهم محتمل، حتى لو شمل لبنان بصورة مباشرة.

التجارب السابقة لا توحي بكثير من الطمأنينة. فمنذ تفاهمات ما بعد حرب تموز 2006، مروراً بكل محطات التهدئة اللاحقة، وصولاً إلى اتفاقات وقف إطلاق النار الأخيرة، بقيت إسرائيل تتعامل مع الجنوب اللبناني باعتباره ساحة مفتوحة مرتبطة مباشرة بأمنها القومي. لذلك، فإن أي اتفاق لا يتضمن بالنسبة إليها ضمانات أمنية واضحة تتعلق بسلاح حزب الله وانتشاره جنوب الليطاني، لن يكون كافياً لإقناعها بوقف عملياتها العسكرية بصورة نهائية.

وفي المقابل، يعتبر حزب الله أن أي حديث عن ترتيبات أمنية قبل انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، أو قبل وقف الاعتداءات والغارات، يشكل محاولة لنزع عنصر القوة الأساسي الذي يمتلكه في معادلة الردع.

هنا تحديداً تظهر العقدة الأساسية: ليست المشكلة فقط في كيفية إخراج إسرائيل من الجنوب، بل في طبيعة الجنوب نفسه بعد أي انسحاب محتمل.

فمن كان سيتولى التفاوض أصلاً؟

المؤشرات السياسية والدبلوماسية التي ظهرت خلال الأشهر الماضية كشفت أن هناك ثلاث مقاربات كانت مطروحة في الكواليس:

الأولى، أن تتولى الدولة اللبنانية بنفسها إدارة أي مفاوضات غير مباشرة عبر الرئاسة والحكومة والجيش، وبرعاية أميركية وفرنسية ودولية.

الثانية، العودة إلى نموذج التفاوض غير المباشر الذي اعتُمد في ترسيم الحدود البحرية، من خلال وسيط أميركي يتولى نقل الرسائل والتفاهمات بين الطرفين.

أما الثالثة، فكانت تقوم على إدراج الملف اللبناني ضمن صفقة إقليمية أوسع بين واشنطن وطهران تشمل لبنان وغزة والعراق وربما ملفات أخرى في المنطقة.

لكن الواضح حتى الآن أن الدولة اللبنانية لا تريد أن تفاوض إيران باسمها، ولا أن يتحول الجنوب إلى ورقة تفاوض إقليمية خارج المؤسسات اللبنانية الرسمية. ولهذا أبلغت بيروت، وفق ما تسرّب عبر أكثر من قناة دبلوماسية، الوسطاء الدوليين أنها تعتبر نفسها الجهة الوحيدة المخولة التفاوض حول أي انسحاب إسرائيلي أو ترتيبات أمنية مستقبلية.

وفي حال الوصول إلى اتفاق فعلي، فإن الجهة التي يُرجّح أن تتولى الجانب التنفيذي والتقني من التفاوض ستكون الجيش اللبناني، ضمن آلية عسكرية – أمنية برعاية أميركية وربما دولية، شبيهة باللجان التي عملت سابقاً في الناقورة أو خلال مفاوضات ترسيم الحدود البحرية.

إسرائيل من جهتها لا تبدو مستعدة للاعتراف العلني بأي تفاوض مباشر مع حزب الله، لذلك يبقى المسار المرجح هو التفاوض عبر الدولة اللبنانية أو عبر وسطاء دوليين.

لكن ما يجري في العمق يتجاوز تفاصيل الانسحاب والحدود والترتيبات العسكرية. فالصراع الحقيقي اليوم يدور حول سؤال أكبر وأكثر تعقيداً:

من يملك القرار النهائي في لبنان؟

هل تكون الدولة اللبنانية وحدها صاحبة قرار الحرب والسلم؟ أم يبقى الجنوب جزءاً من توازنات إقليمية أوسع ترتبط بالمواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة؟

لهذا تبدو الأزمة الحالية أبعد بكثير من مجرد وقف إطلاق نار أو انسحاب عسكري. إنها معركة سياسية على هوية لبنان ودوره وموقعه في المنطقة، وعلى مستقبل العلاقة بين الدولة والسلاح، بين القرار الوطني والحسابات الإقليمية، وبين منطق الدولة ومنطق المحاور .