كان بعض أهل السياسة ينتظرون خطابات وبيانات “حزباللا” باعتبارها، بالنسبة إليهم، مرآةً للحقيقة، وكان خطباؤه يومًا يتمتعون بتماسكٍ ووقارٍ مصطنعين، وبالقدرة على الإقناع. أمّا اليوم، فقد سقطت ورقة التين، وباتت مسيرتهم تسير من سيّئ إلى أسوأ، ومن انحدار إلى انحدارٍ أعمق، حتى فقدوا البوصلة وأضاعوا الطريق.
فمنذ الثامن من تشرين المشؤوم، تحوّل جنوب لبنان والبقاع إلى مقبرة لشبابٍ وشعبٍ كانت خطيئته الوحيدة أنّه آمن بقيادةٍ جعلت همّها الأول إرضاء الولي الفقيه، ولو على حساب أهل البيت وناسهم وبيئتهم.
لقد تغيّر المشهد بالكامل، فالعدو الغاشم والمجرم لم يُنهِ الحرب خلال أيام كما كانوا يروّجون، بل راح يشنّ هجومًا تلو الآخر، فارضًا سياسته بالحديد والنار، مستندًا إلى دعمٍ غير محدود من “الشيطان الأكبر”، أي الولايات المتحدة الأميركية.
ولم يكتفِ “أشاوس الحزب” بما ألحقوه بلبنان، فمن شعار “مساندة غزة” انتقلوا إلى إعلان “الأخذ بالثأر” في الثاني من آذار لمقتل خامنئي، من دون أن يأبهوا لتهديدات إسرائيل بأنّها ستجعل من الجنوب اللبناني “غزة أخرى” إذا اشتعلت الجبهة، ومع ذلك أصرّ الحزب على المضيّ في مغامرته.
أغمض الحزب عينيه عمّا يجري لأهله وبيئته في لبنان، وفتح أذنيه لأوامر الحرس الثوري، مؤكّدًا تبعيته العمياء للولي الفقيه، فيما يحاول تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية الكارثة التي أوصل البلاد إليها.
وكل يوم يخرج من جماعتهم خطيب، وآخرهم النائب الدكتور حسين الحاج حسن، ليتلو المواعظ محاولًا تبرئة الذات، من دون أن يدرك أنّه فقد المصداقية حتى أمام جمهوره وبيئته.
- يقول سعادة النائب: “المفاوضات المباشرة مع إسرائيل أدخلت لبنان في مأزق خطير”.
وللتذكير فقط، فالحزب هو من أدخل لبنان في هذا المأزق منذ الثامن من تشرين، وثبّت هذا المسار في الثاني من آذار. - ويعود ليؤكد: “المقاومة ثابتة رغم التضحيات وعازمة على إكمال الطريق”.
فأيّ طريق تتحدثون عنه؟ وهل أبقيتم طريقًا في الجنوب بعدما سوّت إسرائيل البيوت بالأرض؟ - ويتابع قائلاً: “كم يريد المسؤولون من البيوت المدمّرة والشهداء والجرحى والأسرى والمهجّرين حتى يلتزموا بما وعدوا به لجهة عدم إجراء مفاوضات قبل وقف إطلاق النار؟”
والسؤال هنا للنائب الدكتور: هل تصدّق آذانكم ما تنطق به شفاهكم؟ فالقتل والتهديم بدأا منذ الثاني من آذار، بينما بدأت المفاوضات لاحقًا بفارق شهرٍ كامل، فكيف تصبح المفاوضات هي السبب؟ - ثم يختم بالقول: “السلطة أقحمت نفسها ولبنان في نفق ومآزق كبيرة جدًا”.
أما الحقيقة فهي أنّكم أنتم من أدخل لبنان إلى الجحيم، وأنتم من يقود البلاد إلى الانهيار خدمةً لمشروع الولي الفقيه، غير آبهين بمصير اللبنانيين.
كلا يا حاج حسن، فالكتاب الذي تقرأ فيه انتهت صلاحيته منذ زمن. ولو سلّمتم السلاح للدولة والجيش منذ البداية، لما وصل لبنان إلى ما هو عليه اليوم. لقد أدخلتم البلاد في حربٍ لا ناقة للبنان فيها ولا جمل، فقط لإرضاء الولي الفقيه، لكن الأيام كشفت حقيقتكم، وأسقطت شعاراتكم، وفضحت حجم التضليل الذي مارستموه على الناس.
واليوم، وأنتم تسيرون بخطى ثابتة نحو الهاوية، لم يعد أمامكم سوى خيار واحد: العودة إلى الدولة الشرعية، وتسليم السلاح، وترك قرار الحرب والسلم للدولة اللبنانية وحدها.
17 ايار 2026


