“الدولة العميقة”: شعار لبناني جديد أم عطر سياسي رخيص؟ (عصام شلهوب)


في لبنان، البلد الذي كان يُلقب سابقا بـ”سويسرا الشرق” واليوم بـ”فنزويلا الشرق الأوسط”، أصبح تعبير “الدولة العميقة” أكثر شيوعًا من الخبز اللبناني أو الدولار في السوق السوداء. يردده السياسيون كلازمة شعرية، يستخدمه الصحفيون كعنوان إغرائي، ويردده الشعب كتبرير لكل كارثة. كأنه اسم عطر فاخر يُباع في أسواق بيروت، أو دلالة فلسفية على “عمق الثقافة” اللبنانية المعذبة. لكن هل هذا الشعار أكثر من مجرد كلمة جوفاء؟
لنغوص في ظاهرة “الدولة العميقة” اللبنانية، ونكشف كيف تحولت من مفهوم سياسي جاد إلى أداة دعائية رخيصة، ونحلل مخاطرها على الوعي الجماعي والإصلاح الحقيقي.
أولاً، دعونا نفهم السياق اللبناني لهذا الشعار. لبنان ليس بحاجة إلى نظريات مؤامرة ليبدو كدولة عميقة؛ فتاريخه مليء بأمثلة حية. منذ الاستقلال عام 1943، سيطرت “الطوائف” والأحزاب السياسية على الدولة، مدعومة بأجهزة أمنية واستخباراتية غير خاضعة للمساءلة. حزب الله، على سبيل المثال، يُعتبر من قبل البعض “دولة داخل الدولة” بفضل ترسانته العسكرية وشبكته الاستخباراتية التي تفوق الجيش اللبناني نفسه. أما المصرف المركزي السابق برئاسة رياض سلامة، فقد أدار نظام “السحب الوهمي” (Ponzi scheme) لعقود، مسربًا مليارات الدولارات دون محاسبة فورية. هذه ليست “دولة عميقة” خيالية، بل واقع ملموس: طبقة من النخب الطائفية والاقتصادية التي تتحكم في المفاتيح الحقيقية للسلطة، بعيدًا عن الانتخابات الشكلية.
‎ومع ذلك، تحول الشعار إلى “عطر سياسي” يُستخدم من الجميع لتبرير الفشل الشخصي. خذوا جبران باسيل، زعيم التيار البرتقالي، الذي يلوح بـ”الدولة العميقة” كلما انخفضت شعبيته، متهمًا خصومه بـ”المؤامرة العميقة”. أو سمير جعجع، الذي يستدعي الشبح نفسه ليبرر فشل تحالفاته. حتى نبيه بري، رئيس البرلمان الأبدي، يلمح إليها عندما يتحدث عن “القوى الخفية” التي تعيق الإصلاحات. ومن الجانب الآخر، يردد أنصار حزب الله “الدولة العميقة” لوصف أي تحرك قضائي ضدهم، كأن القضاء اللبناني –الفاسد بلا شك– جزء من مؤامرة أمريكية-إسرائيلية. هذا الاستخدام العشوائي يجعل المصطلح كـ”كلشي حلو” في اللهجة اللبنانية: يناسب كل مناسبة، لكنه لا يعني شيئًا.
‎المشكلة الأعمق هي أن هذا الشعار يُقنع اللبنانيين بأن الشر كله خارجي أو سري، مما يعفيهم من المسؤولية الجماعية. في بلد يعاني من انهيار اقتصادي بنسبة 95% (حسب البنك الدولي)، وتفجير مرفأ بيروت الذي قتل 218 شخصًا دون محاسبة، وهجرة شبابية هائلة، يصبح “الدولة العميقة” عذرًا مريحًا. بدلاً من الضغط على السياسيين المنتخبين –الذين هم جزء من هذه “الدولة” السطحية– يتحول الغضب إلى شبح غامض. هذا يشبه “الجني في القمقم”: يُلقى اللوم عليه، ثم يُغلق الغطاء. نتيجة؟ ثورة 17 أكتوبر 2019، التي بدأت بوعي جماعي، تحولت إلى شتات بسبب الانقسامات الطائفية، واستمرار الطبقة الحاكمة في السلطة.
نقديًا، هذا الشعار يعكس “عمق الثقافة” اللبنانية السلبي: ثقافة الضحية والمؤامرة، موروثة من الحرب الأهلية (1975-1990) حيث كانت كل طائفة تتهم الأخرى بـ”الخيانة العميقة”. اليوم، مع انتشار وسائل التواصل، أصبح “Deep State” هاشتاغًا (الدولة_العميقة) يجمع ملايين المشاهدات، لكنه لا يولد إجراءات. دراسة من “مركز المستقبل” اللبناني (2022) تظهر أن 68% من اللبنانيين يؤمنون بنظريات مؤامرة حول الانهيار المالي، مما يعيق أي إصلاح. السياسيون يستغلون ذلك: يبيعون “الخوف العميق” كعطر يُغطي رائحة الفساد.
لكن هل هناك “دولة عميقة” حقيقية في لبنان؟ نعم، لكنها ليست سرية؛ هي مرئية تمامًا. إنها “الدولة الطائفية” المكرسة في الدستور، حيث يوزع المناصب حسب الطوائف (رئيس ماروني، رئيس وزراء سني، رئيس برلمان شيعي). هذه “الدولة” العميقة هي شبكة من المليشيات، المصارف، والقضاء الفاسد، مدعومة خارجيًا .
الحل ليس في ترديد الشعار، بل في تفكيكه: انتخابات حقيقية، فصل السلطات، ومحاسبة الجميع بغض النظر عن الطائفة.
‎في الختام، “الدولة العميقة” في لبنان ليست اسم عطر فاخر، بل رائحة عفنة لنظام فاسد. استخدامها من الجميع يجعلها أداة للتهرب، لا للإصلاح. إذا أراد اللبنانيون الخروج من الانهيار، يجب أن يتوقفوا عن استنشاق هذا “العطر” ويبدأوا في تنظيف المنزل. الثورة الحقيقية تبدأ بإدراك أن الدولة العميقة ليست شبحًا، بل مرآة لفشلنا الجماعي.