حفّارو القبور… بين استحقاق دستوري وواقع مختطف (نجيب زوين)


في وقتٍ يقف فيه لبنان على مفترق مصيري، تتباعد المواقف مسافة مئة سنة ضوئية بين من يصر على إجراء الانتخابات في موعدها الدستوري، وبين من يتعامل مع الاستحقاق كأنه تفصيل قابل للتأجيل أو المساومة.
من البديهي أن يُصرّ فخامة الرئيس جوزيف عون ودولة رئيس الحكومة الدكتور نواف سلام على احترام المواعيد الدستورية. فالرئيس عون، ابن المؤسسة العسكرية، تربّى على الانضباط والالتزام وتنفيذ المطلوب عند الاستحقاق مهما اشتدت الصعوبات، وهو يدرك أن الشعوب التي تتوق إلى التغيير لا تُواجَه بالتسويف بل بصناديق الاقتراع.
أما الرئيس سلام، ابن المدرسة الحقوقية، فيحمل القانون نبراساً، ويحلم بدولة تُبنى على قواعد العدالة واحترام النصوص، ويعي أن المجلس النيابي هو حجر الزاوية في أي نظام ديمقراطي: يُشرّع، يُراقب، ويضع أسس بناء الدولة.
لكن إلى جانبهما يقف “الصديق–الخصم” و”الشريك–المضارب”، دولة الرئيس نبيه بري، رئيس المجلس النيابي صباحاً، ورئيس حركة امل مساءً، والحاضر دوماً في مفاصل الدولة العميقة، والمتقاطع سياسياً مع حزباللا ساعة يشاء.
أما حزباللا، فقراره الاستراتيجي مرتبط بالمحور الإقليمي الذي ينتمي إليه، متأثراً مباشرة بتوجهات إيران، في وقتٍ تشهد فيه المنطقة شدّ حبال خطيراً بين الولايات المتحدة وإيران، وتعيش على فوهة بركان سياسي وأمني.
إن إجراء الانتخابات في موعدها هو من حيث المبدأ استحقاق دستوري لا يجوز التفريط به. غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل تتوافر شروط المنافسة الحرة والمتكافئة؟ وهل تعكس النتائج فعلاً إرادة اللبنانيين، أم أن موازين القوى المختلّة والسلاح غير الشرعي والمال السياسي ستعيد إنتاج الوقائع ذاتها؟
إن الدعوة إلى التأجيل لا تكون مشروعة إلا إذا اقترنت بخطة تنفيذية واضحة لبسط سلطة الدولة كاملة على أراضيها، وضمان احتكارها الحصري للسلاح والقرار الأمني والسيادي، وإلا تحوّل التأجيل إلى تمديد مقنّع للأزمة.
أما بعض القوى التي ترفع شعار السيادة واستعادة القرار الوطني، فبدلاً من توحيد الصفوف، تنشغل بصراعات جانبية وحسابات ضيقة، كأنها تتنافس على مزابل صغيرة فيما الوطن امام استحقاق تاريخي. هذا السلوك لا يخدم إلا من يريد إبقاء لبنان ساحة لا دولة، وغنيمة لا وطناً.
لا يحتاج لبنان اليوم إلى حفّاري قبور يتنازعون على ما تبقّى من ركام، بل إلى رجال دولة يرتفعون فوق الحسابات الضيقة، يجلسون إلى طاولة واحدة، ويضعون رؤية موحّدة لإنقاذ الجمهورية قبل فوات الأوان.
فالانتخابات، مهما كانت أهميتها، ليست هدفاً بحدّ ذاتها، بل وسيلة لبناء دولة سيدة، عادلة، تحتكر قرارها وسلاحها… دولة تستحقها الأجيال القادمة.