الموارنة …اي غد ؟ (د. انطوان سعد*)

بمنأى عن احتفاليّة العيد وطقوسه، يتداعى أتباع مارون الى وقفة مع الذات، من أجل قراءة، هادئة وهادفة، لمعنى انتمائهم، ومدى التزامهم به، ونجاحهم في تفعيل “الوزنات” التي تسلّموها من ذاك الناسك القدّيس، و أغناها مسار تاريخهم الطويل، بغية استكشاف الآتي، تمهيدًا لإعادة الانطلاق، بالديناميّة التي سكنت أجيالهم الغابرة، وبالسبل التي تلائم متطلبات اليوم والغد.

واذا كانت مقتضيات المراجعة تنطلق من كشف الحسابات، وتبيان الاستحقاقات، يجدر البدء بمراجعة علاقة الموارنة مع من حملوا اسمه واتّخذوه شفيعًا، واباً،
وله معهم سندات دين كثيرة.

١- في حقوق مارون

لذاك الناسك المتقشف، في الوجدان المارونيّ، ذمم وحقوق مستحقّة الأداء…وديونه تلك غير قابلة للتجيير، أو الاسقاط، أو السقوط بمرور الزمن…بل إنّ الأزمنة وممارساتنا المزمنة، قد جعلته دائنًا من الدرجة الأولى، يتمتّع بالأولويّة على سواه، إن أراد…
فمن حقوقه علينا ،اولاً، اننا خطفنا اسمه- كما اختطف سوانا جثّته- من دون معرفة منه أو استئذان، أو علم وخبر؛ وأنّنا على اسمه انشانا طائقة أو جماعة، لم يسعَ هو يومًا إلى تأسيسها،

ومن حقوقه علينا، ثانياً، أنّنا أتينا به إلى العالم، ثم إلى العالميّة، وهو الذي ترك العالم، ونأى عنه إلى القفر، ممارسًا “فلسفة حياة العراء في الهواء”- وفق تعبير معاصره تيودورس، أسقف قورش،

ومن حقوقه علينا، ثالثاً، أنّنا تجاهلنا هويّته وخصوصيّته، وأشحنا النظر عن صورته، راهبًامصليًّا، متطلعًا إلى فوق، مشدودًا إلى ربّه من دون سواه، فرحنا ننزله من مكان إقامته، ونقيمه في دنيانا، ونشغله عن صلاته في زحمة يوميّاتنا، وندخله في مشاغب جماعتنا، وتعثّر قيادتنا، ومهاترات قياديينا، وتبعثر مجتمعنا. وبتنا، حتّى اذا ما اختلفنا، ننسب إلى ذواتنا “فضيلة” عدم الانتظام، فنتباهى أمام الملأ مردّدين : “إنّ الموارنة لا ينتظمون”( مورونويو لو مطقسي)

٢- في محكمة الضمير

وها نحن، المدينون له، ندين ذواتنا متسائلين:
ماذا فعلنا بالمارونيّة التي تسلّمنا، بل بالقيَم التي ميّزت حياة مارون؟

فماذا بقي من روحانيّة التقشّف، والتخلّي عن الذات، والثبات في الصعوبات، والتضحيات، والقناعة والتجرّد…

وماذا عن قوة الاحتمال ، ومواجهة انواء الطبيعة ، وتحديات العالم، و مجابهة اغراءات ابليس واشباهه- وما اكثرها، وما اكثرهم-

وماذا عن الوحدة في الملمات، و عن التضامن في الشدائد، وعن الرؤية الموّحدة للقضايا المصيرية، وقد اصبحت عند الموارنة سباقًا يدور حول ذاته، ومتسابقين وراء اوهام مشوّشة الاهداف، فارغة المضامين،

وماذا عن الحرية، اللازمة والملتزمة، والمتلازمة مع الروح المارونية، والتي شكلت لأبناء مارون، قاعدة انطلاق ونقطة وصول، وهي سمة طبعتهم – كما طبيعتهم وطبعهم-وباتت بطاقة هويتهم، تماهت وتاريخهم وجغرافيتهم، ودفعوا اثمانها دماءً ودموعاً، وحروبًا واضهادات، وتهجيراً وهجرةً بلغت اقاصي المعمورة،

وماذا عن هذه الأرض، وعن التعامل معها، وعن التعلق بالأرض -لا بالأرضيّات- وعن الأمانة لما اؤتمنوا عليه، ولا سيّما وطن الأرز الذي أرادوه واحة حرّيّة، ومساحة عطاء ، وساحة لقاء، وقد وضعوا فكرته، ونما في تفكيرهم، وطنًا تعدّديًّا للكرامة والعيش الحرّ، قبل أن يرسمه بطريركهم- لهم ولسواهم – أمّةً على طاولات الأمم، ويؤول إلى ما آل إليه…
وهل ثمّة من يرضى بما آل إليه؟

٣ – جدلية الجماعة والوطن

لقد بات للموارنة، مع مواطنيهم، وطن تركّزه دولة، جهدت كي تأخذ لها مكانةً بين أوطان العالم ودوله، وحاول قادتها قيادتها إلى مصاف البلدان المتألقة، على الرغم من اضطرابات الداخل والخارج، غير أنّ ما بلغوه وشعبهم كان مخيّبًا، حيث نأوا بسفينتهم بعيدًا عن ميناء الإقلاع، وفقدوا معطيات كانت لهم حزام أمان للنجاة، وخريطة طريق للنجاح والتفوّق.
.
وفي هذه “الوقفة مع الذات”، يعيد القلقون ما طرحه كبير من مفكريهم، العلّامة الأب ميشال حايك في عظة صوم له في ٣٠ اذار ١٩٧٩، من قلب كاتدرائية بيروت، متسائلاً: “أيّة مارونية هي التي نسكنها اليوم، بعد أن تفكّكت المارونيّة اللبنانيّة، تفكّك هذا الوطن الذي التصقت به، فأهملت اسمها وتناست ذاتها لتحمل اسمه وتندرج في كيانه؟ ” وهي تساؤلات محقّة لم يسقطها الزمن، بل جعلها أكثر إلحاحًا، حيث يبقى التساؤل المقلق عّما إذا كان اتباع المارونيّة قد أخطأوا ام اصابوا في تغليب “القوميّة اللبنانيّة”على “القوميّة المارونيّة”، وقد امتصت الأولى هويّتهم الأساسيّة- او تكاد- وأذابت خصائص جماعتهم، و أضاعوا بذلك، ربّما، رهانات وانتظارات وتطلعات، وأبتعدوا عن أصالة كينونتهم، وجوهر رسالتهم؛ وهي رسالة أوسع من أن تُحصر في حدود أوطان، أو “في محدوديّة قوميات، فهي منذ بدء نشاتها حركة مناهضة لكلّ ما من شأنه أن يحتجز الإرادة، إرادة الانطلاق في مسعى الحرّيّة الإنسانيّة”- بحسب الأب حايك

والحال أنّ الديناميّة المارونيّة التي رافقت نشأة شعب مارون ومسيرته المشرقة، مدى القرون الطويلة، وقبل بزوغ القوميّات، وأعطت ما أعطت للبنان والمشرق، حاصرتها الأزمنة الراهنة، والمصالح الدوليّة، وسياسات المنافع، والمماحكات العقيمة، حتّى دخلت هويّتهم في دائرة الشكّ، ممّا يستدعي العناية الفائقة، بغية استعادة الوعي والرؤية اللازمة للمتابعة.

لهذا الواقع، في الضمير المارونيّ، موقعه المقلق، ووقعه الخطر، وممّا يُفاقم خطره أنّ البلاد التي احتضنت الجماعة المارونيّة، وحضنوها، ومحضوها كلّ الزخم، هي في مصير مرتبك، محفوف بالشكوك والتساؤلات، تعيش الانتظار، وتستجدي وعود أساطين العالم، من يرسمون، من جديد، خرائط على قياس مصالحهم، في الوقت الذي أصبح الموارنة، الذين لعبوا الدور الأساس في إنتاج الدولة وإنضاجها، على هامش القرارات المصيرية، يعيشون الانتماء بالوجدان والحنين، بعد أن خابت رهانات، وسقطت توقعات، عند من رأوا في المواطنيّة حصنًا وضمانًا لخوفهم ممّا أصاب كيانهم والجماعة.

٤- “ومن يدحرج الحجر” ؟!

في وقفة التأمل هذه، يتساءل الموارنة عمّن “سيُدحرج لهم الحجر الكبير “؟فيشهدون قيامة المارونية ولبنان، وينزعون الاحباط والخيبة الي رافقت “تلميذيَ عماوس”، وكم يحتاجون الى توجهات واستراتيجيّات يصنعها قادتهم ومفكروهم، ويُقدّمها حاضرهم للمستقبلات
فأين هي الخطط؟ وأين هم المخططون؟

ذاك هو السؤال الأليم

وفي المحصلة،
فانّ مارون الناسك، الذي يدين له الموارنة بالكثير، يغتبط من عليائه بمن اقتفى أثره، وعاش روحانيّته، ومنهم قدّيسون، وشهداء، ونسّاك، ومصلّون، ورسل، وخدّام للكلمة….غير أنّ حقوقه عليهم لا تزال ثقيلة، وأفكاره تجاههم لا تزال قلقة، ورعايته لهم لا تزال ملحّة، ما بقيت تلك الجماعة هائمة، والبوصلة غير جليّة، وما دام الموارنة في بحث مستمرُ عن الذات، وعن رسالة بحجم دعوتهم الأمّ، وعن سلام يُنشدونه على مدى الكون والتاريخ.

محامٍ، أكاديميّ
رئيس رابطة
قدامى الإكليريكيّة البطريركيّة المارونيّة