(مهداة إلى جو حبيقة وأخي طوني)
بعد أربعين سنة على إسقاط الإتفاق الثلاثي وعشية الذكرى الرابعة والعشرين لإغتيال النائب والوزير إيلي حبيقة ال HK، أو الرئيس كما يحلو لمحبيه أن ينادوه، وبعد الذي يحصل في الشرق الأوسط منذ طوفان الأقصى الذي أدّى إلى ما أدّى إليه.. قررت الكتابة عن لقاء جمعني بقائد القوات اللبنانية آنذاك إيلي حبيقة، بأيام قليلة على بدئه مفاوضات ولقاءات حول إتفاق لإنهاء الحروب العبثّية في لبنان، أُطلق عليه إسم الإتفاق الثلاثي.
إلتقيته، بعدما التقى الHK في لبنان بشخصية سورية كبيرة احتفّظ باسمها لنفسي، وذلك في إطار المفاوضات لإتفاق المليشيات المتحاربة والمتقاتلة في لبنان، ومن أجل لبنان ولكن كل طرف يرى لبنان بحسب رؤيته.. ولكن أستطيع القول عن القوات اللبنانية التي جمعت حزب الكتائب والأحرار والتنظيم وحراس الأرز، أنها قاومت ليبقى لبنان للبنانيين ولكي لا يكون لبنان وطنًا بديلًا لأحد ولكي لا يكون إمتدادًا لدولة أخرى.. وبكلمة صادقة أكثر فإن المقاومة اللبنانية، مقاومة البشير، قبلت التحدّي لمواجهة كل الطامعين بلبنان، متسلحة بحقها المقدّس في الدفاع عن الأرض والشعب ولو بإمكانات عسكرية متواضعة.. ولكن بعزم وإرادة كبيرين.
بالعودة إلى لقائي مع ال HK، فقلت له: تعلّمنا منكم أن نكتب على جدران منازلنا وأحيائنا وشوارعنا: إعرف عدّوك السوري عدّوك. وأنت اليوم تدخل في مفاوضات مع سوريا لماذا ومن أجل ماذا؟ فقال لي: أنا لن أدخل في مفاوضات مع سوريا، بل مع رئيسي حزبَين كبيرين نتقاتل معهما، وهما حركة أمل برئاسة نبيه بري والحزب التقدمي الإشتراكي برئاسة وليد جنبلاط. والحزبان هما ضمن الحركة الوطنية التي تضم أحزابًا مدعومة سوريًا وفلسطينيًا إعتقدت أنهم ب 24 ساعة ينهون مقاومتنا ليبقى لنا لبنان، أو كما كنا ننعي شهداءنا بعبارة: مات ليحيا لبنان.
سألتني لماذا؟ قال لي. وأجاب: لأني أريد أن أنهي حربًا عبثية بين اللبنانيين وبتحريض فلسطيني أحيانًا وبتحريض سوري أحيانًا أخرى. أردت دخول المفاوضات مع شريكي في لبنان بري وجنبلاط لكي يتوقف القتال فيما بيننا.. لأن الحرب التي بدأت عام 1975 لم ولن تنتهي قبل انتهاء مخطط هنري كيسنجر في لبنان الذي يعتبره الكثيرون من قادة العالم القريب والبعيد، أرضًا خصبة لتنفيذ المؤامرات والسياسات التي تحقق مصالح الدول القريبة والبعيدة على جثث أبناء وطني.
إيلي حبيقة كان يعي أن مخطط كيسنجر، وكما قال لي، لن ينتهي قبل أن يصبح الأميركيون في الخليج.. وهكذا حصل بعد غزو العراق للكويت.. والمخطط أو تلزيم لبنان للدولة الفلانية أو للحزب الفلاني، لن ينتهي إلا عندما يسيطر الأميركيون على كامل الشرق الأوسط من دون منازع ومن دون الحاجة الى حلفاء صغار أو كبار.. أي من دون الشريك المنافس الأساسي في الحرب الباردة، الإتحاد السوفياتي الذي حوّل قدراته إلى روسيا التي أنهكتها الحرب على أوكرانيا..
وها هو طوفان الأقصى يعزّز الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، في مواجهة إيرانية خجولة ولكن ثابتة حتى الآن، على الرغم من سقوط الحليف الأساسي لطهران بشار الأسد، واستشهاد السيد حسن نصرالله سيد المقاومة وملهمها ومعه عدة من القادة المؤسسين. وحزب الله وعلى الرغم من كل ما حلّ به منذ طوفان الأقصى حتى اليوم، ما زال صامدًا ولكن بوجه مَن ومن أجل مَن؟!
إيلي حبيقة قال لي: في الحرب بين اللبنانيين أو حرب الآخرين على أرضنا حاربنا وقاومنا من أجل لبنان ومن دون حساب. وفي الحروب يُقتل الشباب “من عنّا ومن عندون”.. هذا حرام. نحن كنّا أبطالًا في الحرب وصمدنا من أجل أن يبقى لبنان لنا.. ليس للسوري ولا للفلسطيني ولا للإسرائيلي ولا لأي من الطامعين بأرضنا ومياهنا، الا يحق لنا أن نعمل مع شريكنا في لبنان لنكون أبطالًا في السلم؟
وقال لي: الإتفاق الذي نتفاوض حوله برعاية سورية من أجل إنهاء الحرب العبثية وليست الأهلية في لبنان، لن يتحوّل إلى مشروع قانون ليصبح دستورًا قبل 15 سنة من الدرس والمراجعة والتدقيق لتأمين حقوق كل اللبنانيين فيه.
كتبت اليوم عن لقائي مع القائد إيلي حبيقة قبل أن يصبح نائبًا ووزيرًا، لأعترف أمام الله والناس، أن كل ما قاله تحقق وحرام “تموت الناس ببلاش” ومن أجل مؤامرات وليس من أجل قضية. يوم كان يجب أن نحمل السلاح من أجل القضية حملناه وصمدنا، واليوم علينا أن نبحث عن سلام مع شريكنا في الوطن.
إيلي حبيقة الذي قال عنه يومًا الرئيس الياس الهرواي: الحبيقة “جاب الكهربا 24 ساعة على 24، وهو ليس مهندسًا وخبيرُا وطلب من أصحاب المولدات بيع مولداتهم وإلا”.. كذلك تدخل مرة لعدم إفقار الشعب اللبناني، وجمّد سعر الدولار.
كتبت اليوم عن لقائي بال HK بعد أربعين سنة على سقوط الإتفاق الثلاثي وبعد 35 سنة على إقرار إتفاق الطائف.. لأقول أن إيلي حبيقة كان صاحب رؤية ومن حقه ومن موقعه كقائد للقوات اللبنانية أن يتطلع إلى سلام مع شريك، كان يأخذ توجيهاته ودعمه من سوريا.. لأن سوريا كانت تستطيع أن تمون وقتئذ على الأحزاب التي كانت تدعمها بالسلاح والمال لمواجهة المقاومة اللبنانية التي فاجأت الكبير والصغير بصمودها، والتي قالت بالفعل لا بالكلام، أن جماعة الهمبرغر والبيتزا والبوبكورن تستطيع تقديم الدماء من أجل قضيتهم المحقة. ولهذا كان الإتفاق الثلاثي برعاية سورية، لأن تحقيقه وتنفيذه ووقف القتال والحرب بحاجة الى هذه الرعاية..
إلى الذين يعتبرون الإتفاق الثلاثي وجد لبيع لبنان لسوريا كتبت هذا المقال الذي أهديه إلى جو حبيقة لأقول له إفتخر بوالدك.. الذي كما كان بطلًا في الحرب، أراد أن يكون بطلًا في السلام، كما قال عنه يومًا المطران بولس مطر في أربعينه… وللباحثين عن الذين اغتالتهم يد الإجرام في لبنان، أن حقيقة الإغتيالات وكشفها تبدأ مع الكشف عن اغتيال الشهيد إيلي حبيقة ورفاقه في 24 كانون الثاني 2002.
في ذكراك مع الأعزاء، ديمتري عجرم رفيق العمر، والبورفيل ووليد الزين، أرفع صلاتي من أجل السلام في لبنان الذي كنت تبحث عنه وعملت من أجله على حساب رصيدك وتاريخك المقاوم من أجل لبنان.


