في أوائل السبعينيات، بدأ حديثٌ جادّ بين أهالٍ يعيشون الوجع نفسه في بيروت: فكرة إنشاء مركزٍ متخصّص يكون بيتاً حقيقياً للأطفال الذين لديهم الإعاقات نفسها التي كان يعيشها هلي الرحباني. كان الكثيرون يؤمنون أنّ هذا المشروع يحتاج إلى دفعةٍ كبيرة، وأنّ حضور فيروز أو دعمها العلني قد يمنح المبادرة قوةً إضافية. فذهب وفدٌ من الأهالي لزيارتها وطلبوا منها أن تنضم إلى هذا المسعى. فجاء جوابها مختلفاً عمّا توقّعوا. “ابني لن يترك البيت. وأنا سأتولى رعايته بنفسي”. ومع ذلك، لم تُغلق الباب في وجه الفكرة. قالت لهم، بمعنى واضح: “أنا مستعدة أن أقدّم ما أستطيع من عائدات حفلاتي، كل ما يساعد على أن يرى النور. لكن ابني لن يغادر المنزل”.
اندلعت الحرب ولم يبصر المشروع النور.
في منتصف الثمانينيات، خلال حفلاتها في لندن. اقترح عليها أصدقاء “الحل المثالي” كما كانوا يرونه: أن تنقل ولدها إلى أهمّ مركز على الإطلاق في بريطانيا، متخصّص لهذه الحالات. قالوا لها إنّه صار شاباً، وإنّها لا تستطيع أن تبقى وحدها تحمل هذا العبء، وإنّ الوقت قد حان ليرتاد ذلك المكان. فكان جوابها هادئاً… لكنّه نهائي: “أبداً. ما دمتُ حيّة، سيبقى معي”.
أثناء زياراتي للسيدة فيروز، أتذكر هلي يدخل صالة الاستقبال على كرسيه المتحرّك. أتذكرها تنهض فوراً، كأنّ جسدها اعتاد أن يسبق كل شيء إليه: هو أولاً. كان حاضراً، جزءاً من المكان، جزءاً من الحوار، لا يُخفى ولا يُعزل، بل يعيش كإنسان كامل الحضور.
أذكر يوماً لا يُنسى: بدأ يسعل بإيقاع سريع. لحظة تُجمّد الزمن وتربك أقوى الناس. ارتبكت السيدة فيروز وخافت، ولم تعد تعرف ماذا تفعل. راحت تربّت على ظهره، ثم تغيّر كل شيء في حركتها: صارت تلامس وجهه بحنانٍ مرتجف، تمسح وجنتيه ورأسه، وتقبّله برفقٍ متتابع … كأنّ قبلة الأم تستطيع أن تعيد الهواء إلى صدر ولدها.
رأيت ذلك بعيني، ولم يخبرني به أحد.
اليوم، رحل هلي … ولحق بعاصي وليال وزياد.
لكن ما يبقى، وما لا يزول، هو صورة أمّ لا تفوّض قلبها لأحد. قد تدعم مشروعاً عاماً، وقد تموّل فكرةً تخدم المجتمع، وقد تشجّع الناس على بناء ما يجب أن يُبنى … لكنّها، في بيتها، كانت تؤمن بحقيقة واحدة: “ابني ليس ملفاً، ولا حالة، ولا عبئاً يُنقل إلى مكان آخر”. كان بيتها بيته. وكانت هي، بكل خوفها وحنانها ووجودها، وطنه الأقرب.
ريكاردو كرم


