فرانسوا عقل 64 سنة في “النهار” (سمير عطالله)


64 سنة في “النهار”


نهار الخميس الماضي قطع فرنسوا عقل مشيا المسافة اليومية كالمعتاد من منزله في حي اليسوعية إلى مبنى “النهار” في ساحة البرج. ولما وصل مكتبه في الطبقة الخامسة وجد جدران صالة التحرير مطلية بكلمة واحدة: “شكرا”. هكذا وفي اختصار مثل مقتضباته الشهيرة، أعرب “النهاريون” عن مشاعرهم “للمدير” الذي أكمل عامه السابع والتسعين، منها 64 سنة، “مسطرة” “النهار” وميزانها وحارس النقاط على الحروف. “المدير” أو “الأستاذ فرنسوا” كان المبدع اليومي الذي لا توقيع له. والضمير الضنيء الذي لا صورة له، وكان مدير التحرير ولكن صديق المحررين وعادلهم ووكيلهم وكفيلهم، عند صاحب “العقد الفريد” في صحافة لبنان، عملاق الأحرار وأمير الحريات ومورثها، غسان تويني. كلمة “شكراً”، التي ملأت الجدران بأحرف من محبة ووفاء، كانت مفاجأة نايلة تويني التي لا تزال تناديه، من بين أسمائه، “الأستاذ فرنسوا”. “الأستاذ” من دون تابع، كان الجبار الذي جلس أمام نعش شهيده يناشد الناس عدم الانحطاط إلى صغارة الثأر. جاء فرنسوا عقل إلى “النهار” عام 1963 من عائلة تعمل وتعيل في الصحافة والسياسة والأدب، وعند الاقتضاء تقدم الشهداء للسادس من أيار. ومن حيث الانتماء كانت العائلة جزءا من “الكتلة الوطنية”، أي ليبرالية بلغة اليوم. و”النهار” التي انضم إليها فرنسوا عقل لم تكن بعيدة عن تلك الاقتناعات، لكنها كانت قبل كل شيء، جريدة الموضوعية والمهنية شبه المطلقة. وكان “المدير” يطبق هذا المبدأ مغتسلا من أي أهواء بشرية، سواء في ذروة الحرب أو في دفء السلام ومسراته. وربما كان في أعماقه مارونياً من الدامور، أما خلف مكتبه في “النهار” فكان حارس الجماعات جميعها، خصوصاً في تقاتل المتقاتلين. خضنا مع “المدير” معارك وحروباً كثيرة. ومنها ما طال واستطال واستعر واستمر. مثلاً: لا يقال أحال إلى بل أحال على. أو لعله العكس. واستمرت سنوات كثيرة الحرب حول ما هو الأصح: فرقاء أو أفرقاء. رئيسي أو رئيس. كنا دائماً على عجل، نريد أن ينتهي الأمر ونمضي بينما هو باق يريد اللحاق بآخر خبر أو تصحيح آخر مفردة أو “تنقية” “النهار” من دس رديء. هي عنده كل شيء. من أجلها لا يسافر إلى مكان. ولا يقبل دعوة إلى غداء أو عشاء. ولا يضع ربطة عنق إلا في التعازي. كانت صالة التحرير حاشدة ذلك النهار. أكثريتهم شباب لم يمارسوا العمل مع “المدير” لكنهم عملوا في مدرسته، من الداخل أو من الخارج. نحن سبقناهم إلى تلك المدرسة وانضبطنا على قلمه الأحمر.