هناك ملفات في تاريخ الدولة اللّبنانيّة لا تُقرأ، إنّما تُسمَع… تُسمَع كوقع انهيار طويل كان الجميع يراه، ولا أحد تجرّأ على تسميته خوفاً من الأذى الذي قد يلحق به، أو لأنّ الفاسد محسوباً على جهة سياسيّة لا يريد أحد الاصطدام معها. أمّا اليوم، فقد بات لزاماً على الرأي العام أن يعلم كل شيء، وأن ينكسر هاجس الخوف، إذا كنّا فعلاً نريد أن نعيش في دولة القانون.
قطاع الاتصالات غارق في أزمة، وهو أحد تلك الانهيارات. قطاع تُرك مُشرّعاً، ومُختطفاً، ومُستباحاً، حتّى أصبح نموذجاً صارخاً لما يعنيه غياب الدولة حين تتراجع لتحلّ مكانها شبكات تعمل خارج إطارها.
مساحة لبنان لا تزيد عن مساحة مدينة أوروبيّة، وقد انفجر عدد تراخيص مزوّدي الإنترنت (ISP) ليتجاوز الـ90 ترخيصاً، في حقبة كانت فيها المحسوبيات والفساد متجذّرين، وكان “عبد المانع” يُدير هذه “الصفقات” في مشهد لا يمكن وصفه إلاّ بالفوضى الممنهجة، وسيّما عند مقارنته بدول كفرنسا، حيثُ لا تتجاوز التراخيص الثلاثة.
تسعون مقابل ثلاث…أيّ منطق يمكن أن يبرّر ذلك؟ وأيّ مصلحة عامة تستطيع أن تتحمّل هذا العبث؟
هذا الفساد “المتعمّد”، هو نتاج سنوات من إدارة وُصفت سياسياً وإعلامياً بأنّها فاسدة ومهترئة، سمحت بتمدّد شبكات غير شرعيّة.
وعلى الرغم من أنّ المسؤول عن هذا الفساد معروف، وأنّ الدولة كانت تغضّ النظر عنه، نراه اليوم يطلّ بكل وقاحة ليتّهم ويهاجم وزير الاتصالات المهندس شارل الحاج، وكأنّ سنوات الفساد وهدر المال العام التي عاشها قطاع الإنترنت، في الوقت الذي كان فيه هو الآمر والناهي، كانت مجرّد صدفة… أو كأنّ الذاكرة اللبنانية عاجزة عن استعادة الحقائق حين يعلو الضجيج.
لكن اللحظة الفاصلة جاءت، ولسوء حظّ “عبد المانع”، أنّ وزيراً تكنوقراطياً دخل قطاع الاتصالات، يفهم تفاصيله الدقيقة. وبدلاً من تحميل اللبنانيين أعباءً إضافيّة، بدأ بخطة إنقاذيّة، كان أوّل بنودها المطالبة بإنشاء الهيئة الناظمة، ثم المضي قدماً في إتمام مشروع “ستارلينك”، وتوسيع خدمة الفايبر لتشمل 25 منطقة كخطوة أولى لقطع الطريق على العبث الذي عاشه اللبنانيون في الحقبات السابقة. ومن الطبيعي أن ترتفع أصوات “الجوقة” التي يُديرها “عبد المانع” و”الممانعة”.
وهكذا ظهر الوزير شارل الحاج… لا بصفة “وزير تقني” فقط، إنّما بصفة وزير يُزعزع نظاماً قائماً، فكل خطوة إصلاحيّة شكّلت خنجراً في قلب المرحلة الفاسدة السابقة. ولهذا بالتحديد يأتي الهجوم عليه، ولهذا يعلو الصراخ، ليس لأنّ “عبد المانع” استيقظ فيه الضمير وأصبح يريد محاربة الفساد والدفاع عن المال العام، بل خوفاً من انكشاف تورطه في الملفات، لأنّ النهج الذي يتّبعه الحاج يكشف من استفاد، ومن تمدّد، ومن عمل في مناطق رماديّة لعقود.
وعلى الرأي العام أن يعلم أنّ الحاج لم يكن طامحاً لاستلام الوزارة، ولا من الساعين إلى دخول وزارة بهذا الحجم من الاهتراء، والحقيقة أنّه علم بتسميته عبر الإعلام فيما كان في إجازة شتويّة. إضافةً إلى ذلك، فإنّ هذا الوزير رجل مسيحي ملتزم، يخاف ربّه، ليس من الذين ينتظرون منصباً ليغرفوا من مال الدولة.
وصحيح أنّ الإعلام لا يُضيء كثيراً على أعماله الإنسانية، وربما لا يحقّ لنا التفصيل فيها، لكن من الواجب على الرأي العام أن يعلم أيضاً أنّ هذا الوزير تحديداً، منذ كارثة انفجار مرفأ بيروت وحتى حرب الإسناد وما تلاها من أزمات، لم يتوقف عن دعم أهالي الجنوب، ولا تزال المساعدات تصل إليهم بدافع إيمانه وبحبه للبنان، لا أكثر ولا أقل.
فبربّكم، هل يُلام لأنّه قرّر إقفال “الإنترنت غير الشرعي”؟ وهل يُهاجم لأنّه وضع الوزارة فوق المصالح؟وهل يصبح مذنباً لأنّه وضع حداً لاقتصاد “الظل” الذي عاش طويلاً على حساب المواطن؟
الجواب واضح لمن يريد التفكير بموضوعية وواقعية، كل مسؤول يقترب من “النقطة الحساسة” يبدأ الذين بنوا نفوذهم على الأعمال غير الشرعية بالصراخ.
وخوف خصوم الإصلاح هو الدليل الأكبر على أنّ الحاج يسير في الاتجاه الصحيح، فحين تعود الدولة إلى موقع غابت عنه طويلاً، من الطبيعي أن ترتفع الأصوات النشاز.


