هل يجري إنقاذ الدولة اللبنانية أم إعادة تشكيلها وفق متطلبات النظام الإقليمي الجديد؟

المحامي ميشال فلاّح

لم يعد السؤال المطروح في لبنان اليوم مقتصراً على مدى اهتمام المجتمع الدولي باستقراره، أو حجم المساعدات السياسية والأمنية والاقتصادية التي يمكن أن يتلقاها. فالتطورات المتلاحقة منذ انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية، في التاسع من كانون الثاني 2025، تفرض سؤالاً أكثر عمقاً وحساسية، هل لا يزال لبنان تحت مظلة دولية داعمة، أم أنه دخل مرحلة من التدويل الفعلي، تتولى خلالها قوى خارجية إدارة خياراته الأساسية، من دون إعلان وصاية رسمية أو المساس الشكلي بمؤسساته الدستورية؟
إنه سؤال يتجاوز السياسة إلى جوهر القانون الدستوري والقانون الدولي العام، ويمسّ مفهوم الدولة ذاتها: من يملك السلطة؟ ومن يمارسها؟ وأين تقع الحدود الفاصلة بين المساعدة الدولية والتدخل في السيادة الوطنية؟

من انتخاب الرئيس إلى إعادة ترتيب السلطة
لم يكن انتخاب جوزاف عون مجرد إنهاء لفراغ رئاسي طويل، بل جاء في لحظة إقليمية استثنائية، أعقبت الحرب الإسرائيلية على لبنان، وسقوط النظام السوري السابق، وتراجع موازين القوى التي حكمت الحياة السياسية اللبنانية لعقود. وقد تزامن انتخابه مع تكليف نواف سلام تشكيل الحكومة، في مناخ من الحضور الأميركي والفرنسي والعربي الكثيف، بما أوحى بأن إعادة انتظام المؤسسات اللبنانية باتت جزءاً من مقاربة دولية أوسع لإعادة ترتيب المنطقة. ولا يعني ذلك بالضرورة أن الخارج فرض انتخاب الرئيس أو تشكيل الحكومة، لكنه يكشف أن القرار الداخلي لم يعد قابلاً للفصل عن التوازنات الإقليمية والدولية.
ومع توالي زيارات الموفدين والاتصالات الدبلوماسية، لم يعد التدخل الخارجي محصوراً بالتشجيع على الإصلاح أو دعم الاستقرار، بل امتد إلى تحديد أولويات الدولة، ومواعيد تنفيذ التزاماتها، وترتيباتها الأمنية، وصولاً إلى تفاصيل تتصل بقرارات سيادية يفترض أن تتخذها السلطات اللبنانية المختصة. وهنا يبدأ التحول من الرعاية الدولية إلى ما يمكن وصفه بالإدارة الخارجية غير المباشرة.

مجلس الأمن والسلاح: بين الالتزام الدولي والسيادة الوطنية
شكّل القرار 1559، الصادر عن مجلس الأمن عام 2004، إحدى أبرز محطات تدويل المسألة اللبنانية، إذ دعا إلى حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها، وإلى بسط سلطة الحكومة اللبنانية على كامل أراضيها، مؤكداً سيادة لبنان واستقلاله السياسي. ثم جاء القرار 1701 عام 2006 ليضع إطاراً إضافياً للترتيبات الأمنية في الجنوب، ويربط الاستقرار بممارسة الدولة سلطتها الفعلية.
والعودة المتكررة إلى هذين القرارين، ولا سيما في ظل النقاشات الدولية الأخيرة بشأن السلاح غير الشرعي والترتيبات الأمنية، تؤكد أن المسألة لم تعد شأناً لبنانياً داخلياً حصرياً، بل أصبحت جزءاً من منظومة التزامات دولية ومتابعة أممية مستمرة. غير أن القانون الدولي يفرض تمييزاً أساسياً، فوجود قرارات صادرة عن مجلس الأمن لا يعني تلقائياً انتقال السلطة من المؤسسات الوطنية إلى المجتمع الدولي. كما أن القوة الإلزامية لكل قرار تتحدد وفق منطوقه وسنده القانوني، ولا يجوز افتراض أن جميع أحكام القرارات الدولية متساوية في طبيعتها أو قابلة للتنفيذ بالقوة.
والأهم أن سيادة لبنان لا تتجزأ. فلا يجوز حصرها بنزع السلاح خارج مؤسسات الدولة، مع تجاهل الاحتلال الإسرائيلي لأي جزء من الأراضي اللبنانية أو الاعتداءات على سلامتها الإقليمية. فالسيادة مبدأ قانوني واحد، لا يخضع للتجزئة بحسب المصالح السياسية.

التدويل في القانون الدولي: بين المشروعية والوصاية
يقوم النظام الدولي المعاصر على مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، المنصوص عليه في المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، وعلى حظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة. كما يكرّس الميثاق مبدأ عدم التدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي للدول، مع مراعاة صلاحيات مجلس الأمن بموجب الفصل السابع.
لكن التدويل ليس مفهوماً قانونياً واحداً أو نظاماً مؤسسياً محدداً. فقد يأخذ شكل الوساطة، أو الرقابة، أو العقوبات، أو التدابير الملزمة، وقد يصل، في حالات استثنائية، إلى إدارة دولية مباشرة تستند إلى تفويض قانوني واضح. ولبنان، حتى اليوم، ليس خاضعاً لوصاية دولية بالمعنى القانوني، ولا لإدارة انتقالية أنشأها مجلس الأمن. فالدستور قائم، والسلطات الدستورية تمارس اختصاصاتها، والدولة تحتفظ بشخصيتها القانونية الدولية.
لكن بين الاستقلال القانوني والاستقلال الفعلي مسافة قد تتسع إلى حدّ تصبح معه السيادة قائمة في النصوص، ومقيّدة في الممارسة. وهنا يمكن الحديث عن «التدويل الوظيفي»: أي أن تبقى المؤسسات وطنية من حيث التكوين والاختصاص، فيما تخضع خياراتها الأساسية لتأثير خارجي متزايد، عبر الضغوط السياسية والاشتراطات الاقتصادية والترتيبات الأمنية. ومع ذلك، لا يشكّل كل ضغط دبلوماسي تدخلاً محظوراً قانوناً. فالتدخل غير المشروع يفترض، وفق المعايير التي أرستها محكمة العدل الدولية، وجود عنصر إكراه يمسّ حرية الدولة في تقرير خيارات تدخل ضمن اختصاصها السيادي.

الإشكالية الدستورية: من يقرر باسم الدولة؟
هنا تبرز المسألة الأكثر حساسية في الداخل اللبناني. فمقدمة الدستور تؤكد أن لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، وأن الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية. كما تنص المادة 65 على أن السلطة الإجرائية منوطة بمجلس الوزراء، الذي يضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات. أما رئيس الجمهورية، فله، وفق المادة 49، دور السهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه، ضمن الصلاحيات المحددة دستورياً.
وبالتالي، فإن القرارات المتعلقة بالسياسة الدفاعية، والعلاقات الخارجية، والالتزامات الدولية، لا يمكن أن تتحول دستورياً إلى اختصاص لجهات خارجية، مهما بلغت قدرتها على التأثير. كما أن إبرام المعاهدات الدولية يخضع للمادة 52 من الدستور، التي تحدد أدوار رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ومجلس الوزراء، وتوجب موافقة مجلس النواب على فئات معينة من المعاهدات.
ومن هنا تنشأ إشكالية جوهرية. إذا كانت السلطة اللبنانية تتخذ قراراتها تحت ضغط خارجي كثيف، فهل تكون أمام ممارسة حرة لاختصاصاتها الدستورية، أم أمام سلطة تحتفظ بالشكل القانوني للقرار بينما يُرسم مضمونه خارج المؤسسات؟
إن التأثير الخارجي لا يبطل القرار الدستوري تلقائياً، لكنه يطرح إشكالية سياسية خطيرة تتعلق بمشروعية ممارسة السلطة، وبمدى استقلال الإرادة الوطنية.

لبنان في مرحلة إعادة تشكيل المنطقة
لا يمكن فصل هذه التحولات عن التغييرات التي تشهدها المنطقة، من سوريا إلى إيران وإسرائيل، وما يرافقها من إعادة توزيع للنفوذ وإعادة تعريف للترتيبات الأمنية. فلبنان لم يعد مجرد ساحة تتقاطع فيها الصراعات الإقليمية، بل أصبح أحد الملفات التي يُراد تنظيمها ضمن توازن إقليمي جديد. وقد يكون الحضور الدولي فرصة لإعادة بناء الدولة، وتثبيت وقف الأعمال العدائية، ودعم الجيش، وإطلاق الإصلاحات وإعادة الإعمار. لكنه قد يتحول أيضاً إلى آلية دائمة لإدارة القرار اللبناني من الخارج، إذا لم تقترن المساعدة الدولية باستعادة فعلية لاستقلال المؤسسات.
والفارق بين الاحتمالين لا يُقاس بحجم التدخل الدولي وحده، بل بنتيجته، هل يؤدي إلى تمكين الدولة اللبنانية من اتخاذ قراراتها بحرية، أم إلى تكريس اعتمادها على القوى الخارجية؟

السيادة بين الاستعادة وإعادة التعريف
المفارقة أن لبنان يشهد حضوراً دولياً متصاعداً تحت شعار استعادة سيادة الدولة، فيما تتزايد الأسئلة حول استقلالية قرار هذه الدولة نفسها. فقد يكون نزع السلاح غير الشرعي شرطاً ضرورياً لبناء الدولة، لكنه لا يكفي وحده لتحقيق السيادة إذا بقي القرار السياسي والاقتصادي والأمني مرتهناً لإرادات خارجية. وليست السيادة مجرد احتكار شرعي للسلاح، بل هي أيضاً احتكار شرعي للقرار، وممارسة حرة للاختصاصات الدستورية، وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الدولية من دون أن تتحول إلى أداة لتنفيذ إرادة الآخرين.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت المسألة اللبنانية قد دُوّلت، فهي حاضرة على جدول الأعمال الدولي منذ عقود. السؤال هو ما إذا كان لبنان ينتقل اليوم من تدويل أزماته إلى تدويل إدارة شؤونه. فهل تكون هذه المرحلة انتقالاً نحو دولة مكتملة السيادة، أم تأسيساً لوصاية سياسية غير معلنة، تُبقي للبنان مؤسساته ودستوره، لكنها تنقل مركز القرار الفعلي إلى خارج حدوده؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي للمرحلة المقبلة، أن يكون الحضور الدولي جسراً لاستعادة الدولة، لا بديلاً دائماً عنها.