الدولة التي تَعرف بالخطر ولا تَمنعه: مَن يُحاسبها، ومَن يُحاسَب فيها؟

المحامي ميشال فلاّح

ليس كلُّ انهيارٍ قدراً، ولا كلُّ كارثةٍ قضاءً لا يُردّ. فقد يتصدّع مبنى وتُرفع بشأنه تقارير تحذّر من انهياره، أو تتحوّل طريق عامة إلى مصدر خطر دائم، أو تتكرّر الفيضانات في حيٍّ تعرف السلطات أسباب غرقه. ومع ذلك، لا تتحرّك الجهات المختصة إلا بعد وقوع الكارثة، حين تصبح بيانات التعزية والتحقيقات بديلاً متأخّراً من التدابير الوقائية.
لكن السؤال القانوني لا يقتصر على معرفة مَن تسبّب بالضرر، بل يتناول أيضاً مَن كان يعلم بالخطر، ويملك صلاحية منعه، وامتنع عن التدخّل؟ وهل تقتصر المسؤولية على الدولة، فتدفع الخزينة التعويضات، أم تمتدّ إلى المسؤول الذي أهمل واجباته؟

عندما يصبح الامتناع خطأً قانونياً
لا تنحصر مسؤولية الإدارة بالأضرار الناجمة عن قراراتها وأعمالها، بل قد تنشأ أيضاً عن امتناعها عن اتخاذ تدبير يفرضه القانون، أو تأخّرها غير المبرّر في مواجهة خطر معلوم. وهذا ما يندرج ضمن مفهوم الخطأ المرفقي، الذي قد يتمثّل في سوء سير المرفق العام، أو عدم أدائه واجباته، أو التأخّر في أدائها.
غير أن الدولة ليست ضامناً مطلقاً لسلامة المواطنين. فالمسؤولية القائمة على الخطأ تستوجب، مبدئياً، إثبات إخلال الإدارة بواجب قانوني، ووقوع ضرر محقّق، ووجود علاقة سببية بين الإخلال والضرر. وقد تقوم المسؤولية، في حالات خاصة، على أسس أخرى يقرّها القانون والاجتهاد. والتمييز هنا أساسي بين سلطة عجزت عن منع خطر استثنائي، وسلطة تجاهلت إنذارات جدّية بشأن خطر كان بإمكانها تداركه.

تقرير يحذّر من الانهيار… مَن يتحمّل المسؤولية؟
لنفترض أن مهندساً يضع تقريراً يؤكد وجود خطر جدّي بانهيار مبنى سكني، وأن التقرير يُحال إلى البلدية والمحافظة، ثم تمرّ أسابيع من دون اتخاذ إجراءات كافية، قبل أن ينهار المبنى. يفرض قانون البناء رقم 646/2004، ولا سيما المادة 18 منه، التزامات على المالك تتعلق بسلامة البناء وصيانته، كما ينظّم الإجراءات المرتبطة بالأبنية المتداعية. ويمنح قانون البلديات، بموجب المادة 74 منه، رئيس السلطة التنفيذية البلدية صلاحيات تتعلق بهدم المباني المتداعية وإصلاحها وفق الشروط القانونية.
فهل يكفي أن تتمسّك البلدية بمسؤولية المالك؟ الجواب يتوقف على تحديد الواجبات الملقاة على كل جهة. فمسؤولية المالك لا تستبعد مسؤولية الإدارة إذا ثبت أنها أخلّت بواجب مستقلّ لحماية السلامة العامة. ويقتضي البحث تحديد الجهة المختصة باتخاذ القرار، وما إذا كان القانون يفرض تدبيراً معيّناً، ومدى إمكان اتخاذه، وما إذا كان الامتناع قد ساهم في وقوع الضرر. فالمسؤولية لا تُحدَّد بمن تلقّى التقرير فقط، بل بمن كان يملك صلاحية التدخّل، وكان ملزماً بممارستها.

هل يتحمّل رئيس البلدية أو المحافظ المسؤولية شخصياً؟
ينبغي التمييز بين الخطأ المرفقي الذي يُنسب إلى الإدارة، والخطأ الشخصي الذي يمكن إسناده إلى صاحب الوظيفة. فالخطأ المرفقي يرتبط بسير المرفق العام، وتتحمّل الإدارة، من حيث المبدأ، نتائجه التعويضية. أما الخطأ الشخصي، فيقتضي عناصر تبرّر فصله عن الأداء الوظيفي المعتاد، بحسب طبيعة السلوك وجسامته وظروف ارتكابه. ولا يعني ثبوت خطأ الإدارة بالضرورة ثبوت خطأ شخصي لرئيس البلدية أو المحافظ أو الموظف. كما لا تعفي الصفة الرسمية صاحبها من المسؤولية متى توافرت شروطها.
فإذا ثبت أن رئيس البلدية اطّلع على تقرير فني موثوق، وأن القانون ألزمه باتخاذ تدبير محدّد، ثم امتنع عنه من دون مبرّر مشروع، أمكن البحث في مسؤوليته وفق طبيعة الخطأ والنظام القانوني الواجب التطبيق. أما المحافظ، فلا يُسأل لمجرّد تلقّيه نسخة من التقرير، بل يجب تحديد صلاحياته القانونية، وما إذا كان ملزماً باتخاذ إجراء أو ممارسة رقابة معيّنة. وهنا تظهر أهمية التمييز بين المسؤولية السياسية والإدارية والتأديبية والمدنية والجزائية، لأن لكل منها شروطاً وآثاراً مختلفة.

ماذا عن الوزير؟
تزداد الإشكالية تعقيداً عندما يصل الإنذار إلى الوزير المختص، أو عندما تكون معالجة الخطر مرتبطة بقرار وزاري. فالمسؤولية السياسية للوزير لا تعني تلقائياً مسؤوليته الجزائية، كما أن الإخفاق الإداري لا يشكّل بذاته جريمة. وتثير المادتان 70 و71 من الدستور اللبناني مسألة خاصة تتعلق باتهام الوزراء ومحاكمتهم أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء في الحالات الدستورية المحدّدة.
غير أن نطاق هذه الأحكام وعلاقتها باختصاص القضاء العدلي في الجرائم العادية أو الأفعال غير المرتبطة بممارسة الوظيفة الوزارية مسألة تتطلب تكييفاً دقيقاً، وقد كانت موضع نقاش واجتهاد قضائي. وعليه، لا يجوز افتراض اختصاص المجلس الأعلى بكل فعل يُنسب إلى وزير، كما لا يجوز تجاهل الضمانات الدستورية عند بحث مسؤوليته. فالعبرة بطبيعة الفعل المنسوب إليه، وصلته بوظيفته، والنصوص التي تحكم الملاحقة.

متى يتحوّل الإهمال الإداري إلى جريمة؟
تكتسب المادة 373 من قانون العقوبات اللبناني أهمية خاصة، إذ تعاقب الموظف في الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات الذي يُهمل، دون سبب مشروع، القيام بوظيفته، أو يمتنع عن تنفيذ الأوامر القانونية الصادرة إليه عن رئيسه. وتجيز تشديد العقوبة وفق شروطها إذا نجم عن الفعل ضرر بمصالح الإدارة أو المؤسسة أو البلدية المعنية. غير أن تطبيق هذه المادة ليس تلقائياً. فالإدانة تستوجب إثبات أركان الجريمة، ولا يكفي وقوع الضرر أو ثبوت تقصير إداري عام.
وقد تثير النتائج الجسيمة للإهمال تطبيق نصوص جزائية أخرى تتعلق بالجرائم غير المقصودة، متى توافرت عناصرها، ولا سيما الخطأ والعلاقة السببية. وبذلك، يمكن للفعل الواحد أن يرتّب مسؤولية إدارية تعويضية، ومسؤولية تأديبية، وربما مسؤولية جزائية، من دون أن تكون إحداها نتيجة حتمية للأخرى.

هل يدفع المواطن ثمن أخطاء المسؤولين مرتين؟
عندما تُلزم الدولة بالتعويض عن ضرر ناجم عن خطأ مرفقي، يُدفع التعويض من المال العام. وهنا تظهر مفارقة قانونية، المواطن الذي تضرّر من تقصير الإدارة يساهم، بصورة غير مباشرة، في تمويل التعويض المستحق له. لكن القانون لا يغلق الباب أمام مساءلة الموظف مالياً. فالمادة 61 من نظام مجلس شورى الدولة تشمل، ضمن اختصاص القضاء الإداري، القضايا التي ترجع فيها الإدارة على الموظفين إذا ارتكبوا خطأً كان سبباً للحكم عليها بالتعويض.
ولا يعني ذلك إمكان الرجوع على كل موظف كلما خسرت الإدارة دعوى. فالأمر يستوجب تحديد طبيعة الخطأ ومدى نسبته شخصياً إليه وتوافر شروط الرجوع. وهنا يبرز سؤال عملي: ما مدى استخدام الإدارات اللبنانية هذه الآلية، وهل تُفعَّل عندما يكون التعويض ناجماً عن خطأ شخصي ثابت، أم تبقى المسؤولية المالية محصورة بالخزينة؟

أيّ قضاء يملك صلاحية المحاسبة؟
يختلف المرجع القضائي باختلاف طبيعة المسؤولية. فالمنازعات الإدارية وطلبات التعويض عن الأضرار المرتبطة بالأشغال العامة وتنفيذ المصالح العامة تدخل، من حيث المبدأ وضمن الحدود القانونية، في اختصاص القضاء الإداري. لكن المادة 61 من نظام مجلس شورى الدولة تستثني طلبات التعويض الناجمة عن حوادث المركبات، وتُخضعها لاختصاص المحاكم العدلية.
أما المسؤولية الجزائية، فتعود إلى القضاء المختص وفق طبيعة الجريمة وصفة المدعى عليه، مع مراعاة الأحكام الدستورية الخاصة بالوزراء. لذلك، لا يكفي تحديد الشخص الذي يُشتبه في مسؤوليته، بل يجب تحديد طبيعة الفعل والأساس القانوني للملاحقة.

هل يجوز انتظار الكارثة قبل التحرّك؟
لا ينبغي اختزال وظيفة القانون بالتعويض بعد وقوع الضرر. فالحماية القانونية الفعلية تقتضي استخدام الوسائل الوقائية التي تتيحها النصوص، ومنها الإنذارات والكشوف الفنية والتدابير الإدارية المستعجلة واللجوء إلى القضاء عند توافر شروطه.
والفارق جوهري بين إدارة تُثبت أنها اتخذت التدابير المعقولة والمتاحة، وإدارة تكتفي بتبادل المراسلات حتى يصبح الخطر واقعاً. فالمراسلة الإدارية ليست غاية بحد ذاتها، ولا يشكّل تحويل الملف من مكتب إلى آخر دليلاً كافياً على أداء الواجب القانوني.

السلطة مسؤولية قبل أن تكون صلاحية
لا يمكن تحميل الدولة مسؤولية كل كارثة، كما لا يجوز تحويل كل تقصير إداري إلى اتهام جزائي. لكن لا يمكن، في المقابل، اعتبار الامتناع عن التدخّل فعلاً محايداً عندما يفرض القانون واجباً واضحاً، ويكون الخطر معلوماً والتدخّل ممكناً. إن المسؤولية القانونية لا تقوم على جسامة المأساة وحدها، بل على إثبات الواجب والخطأ والضرر والعلاقة السببية، وعلى تحديد المسؤول الحقيقي وفق صلاحياته.
وإذا كان من حق المواطن مطالبة الدولة بالتعويض عن تقصيرها، فإن من مقتضيات العدالة أيضاً ألا يتحوّل المال العام إلى وسيلة لحجب المسؤولية الشخصية عمّن ثبت ارتكابه خطأً يوجب مساءلته. فالدولة التي تعرف بالخطر ولا تمنعه قد تصبح مسؤولة عن نتائجه. أما المسؤول الذي يملك سلطة التدخّل، فلا يجوز أن تتحوّل وظيفته إلى حصانة من المحاسبة.
ويبقى السؤال الأشدّ إلحاحاً: إذا كان القانون يُحاسب المواطن على إهماله، فهل يُطبَّق بالصرامة نفسها على مَن يملك سلطة حماية المواطنين ويُهمل استخدامها؟