موسى الصدر الذي اختُطف… وإرثه الذي اختُطف بعده

المحامي ميشال فلاّح

ليس أصعب من اختطاف رجل إلا اختطاف المعنى الذي تركه وراءه.
في 31 آب 1978، اختفى الإمام موسى الصدر في ليبيا مع الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين. ومنذ ذلك اليوم، بقيت الرواية الليبية عن سفرهم إلى روما معلّقة أمام الوقائع: التحقيقات الإيطالية خلصت إلى أنهم لم يدخلوا إيطاليا، والتحقيق اللبناني أثبت بدوره قرائن تؤكد أنهم لم يغادروا الأراضي الليبية بالطريقة التي ادعتها السلطات الليبية.
لكن جريمة اختفاء الصدر لا تُقاس فقط بعدد السنوات التي مرت، ولا بعدد البيانات التي صدرت في ذكراه. السؤال الحقيقي هو: ماذا كان يمثل هذا الرجل حتى يصبح غيابه نقطة تحوّل في تاريخ لبنان؟
كان الصدر يريد للشيعة أن يخرجوا من التهميش، لا أن يخرجوا من لبنان. أراد لهم حقوقهم كاملة داخل الدولة، لا دولة بديلة عنها. أسس «حركة المحرومين» وحشد الشيعة حول قضاياهم الاجتماعية والوطنية، لكنه في الوقت نفسه كان من دعاة الحوار الإسلامي–المسيحي، ومن المدافعين عن وحدة لبنان. والأهم أنه، مع اشتداد الحرب، ابتعد عن الحركة الوطنية اللبنانية وعن حلفائه الفلسطينيين عندما رأى أن السلاح الفلسطيني يهدد الكيان اللبناني، واقترب من منطق الدولة ووحدة البلاد.
هنا تحديداً يصبح غياب الصدر سياسياً أكثر خطورة من غيابه الجسدي. فالرجل الذي كان يريد للشيعة أن يكونوا شركاء في صياغة لبنان، غاب. وبعد غيابه دخلت البيئة الشيعية اللبنانية تدريجياً في مسار مختلف: من حركة احتجاج على الحرمان داخل الدولة، إلى قوى مسلحة في الحرب، ثم إلى منظومة سياسية وعسكرية باتت مرتبطة بصورة متزايدة بصراعات المنطقة ومحاورها.
ولا يعني ذلك أن غياب الصدر وحده صنع هذا التحول. فالحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي والثورة الإيرانية وصعود الحركات الإسلامية كلها عوامل أعادت تشكيل لبنان والمنطقة. لكن غياب الرجل الذي كان يمتلك القدرة على الجمع بين الشيعية واللبنانية، والمقاومة والدولة، والهوية الإسلامية والشراكة المسيحية ترك فراغاً لم يملأه أحد بالطريقة نفسها.
ومن هنا السؤال الذي يخشاه كثيرون: هل كان موسى الصدر عقبة أمام مشروع كان يريد للبنان أن يتغير، لا أن يتعايش؟
لا يملك أحد اليوم دليلاً قضائياً يسمح بتحويل هذا السؤال إلى اتهام قطعي. لكن الوقائع تسمح بطرح السؤال، خصوصاً أن مصادر قضية الصدر نفسها تنقل مواقفه الرافضة لتقسيم لبنان أو تحويله إلى كيان تابع لمشروع آخر، وتربط توتر علاقته بالقذافي بموقفه من مستقبل لبنان.
والأشد إيلاماً أن الذين يتحدثون اليوم باسم الإمام الصدر هم، في بعض الحالات، أول من ينبغي أن يُسألوا عن مضمون إرثه.
أيّ إرث تحملون؟
هل هو إرث رجل قال إن لبنان وطن نهائي لأبنائه، أم إرث لبنان الذي يتحول إلى ساحة لصراع المحاور؟
هل هو إرث رجل بنى مشروعه على رفع الحرمان عن الشيعة، أم مشروع تحويل الطائفة إلى كتلة سياسية مغلقة؟
هل هو إرث رجل آمن بالحوار الإسلامي – المسيحي، أم خطاب يزداد فيه التخوين والانقسام؟
هل هو إرث رجل أراد مقاومة تحمي لبنان، أم لبنان يُطلب منه أن يتحمل أثمان حروب لا يقررها وحده؟
لا يكفي أن تحمل صورة موسى الصدر كي تكون امتداداً له. ولا يكفي أن ترفع اسمه في ذكرى تغييبِه كي تصبح أميناً على فكره. الإرث السياسي يُقاس بالمواقف، لا بالصور. وبالخيارات، لا بالشعارات. وبمقدار ما تحمي الدولة، لا بمقدار ما تكبّلها.
لقد اختُطف موسى الصدر في ليبيا. لكن الأخطر أن يُختطف بعده موسى الصدر نفسه: أن يُنتزع من سياقه، وتُمحى منه لبنانيته، ويُختزل في المقاومة وحدها، وتُدفن تحت شعارات المحاور أفكاره عن الدولة والعيش المشترك والحوار.
وهنا تصبح الذكرى اتهاماً لا احتفالاً: إذا كنتم حقاً تحملون أمانة الإمام، أعيدوا لبنان إلى مشروعه.
وإلا، فأنتم لا تحملون إرث موسى الصدر. أنتم تحملون اسمه فقط.