مار الياس بطينا… حين تحفظ الحجارة صلاة بيروت

المحامي ميشال فلاّح

في وطى المصيطبة، حيث كانت بيروت القديمة تتنفس ببطء بين البساتين والبيوت الحجرية، يقوم صرحٌ لا تبدو قيمته في حجارة جدرانه وحدها، بل في الذاكرة التي اختزنتها تلك الحجارة. هناك، في دير النبي الياس بطينا للروم الارثوذكس، تختلط رائحة التراب بصوت الأجراس، وتبدو الكنيسة كأنها صفحة قديمة من كتاب بيروت، كلما فتحها المرء وجد فيها شيئاً من الإيمان، وشيئاً من المدينة، وكثيراً من الإنسان.
يرجع تاريخ الدير إلى ما قبل القرن التاسع عشر، فيما تشير بعض الدراسات إلى أن جذور الموقع أقدم بكثير. فقد كانت كنيسة النبي الياس في أصلها مزاراً صغيراً داخل مغارة منحوتة في الصخر، ذات فتحات في سقفها للتهوئة، وما زال الهيكل الحالي يحتفظ بذلك التجويف الصخري القديم. ومع مرور الزمن، توسّع المزار حتى صار الكنيسة التي عرفها أبناء المصيطبة وبيروت. ويؤكد سجل شرعي مؤرخ في 15 تشرين الأول 1828 أن الكنيسة المعروفة باسم مار الياس بطينا كانت في ذلك الوقت في حيازة طائفة الروم منذ زمن بعيد، في شهادة تكشف عمق حضورها في تاريخ بيروت.
لكن المفاجأة الأجمل جاءت حين كشفت يد الترميم ما أخفته طبقات الزمن. ففي أعمال تنظيف وترميم هيكل الكنيسة الصخري ظهرت رسوم جدارية تعود، بحسب الدراسات الأثرية، إلى العصور الوسطى، ويُرجّح تاريخها إلى القرنين الثاني عشر والثالث عشر. وبين المشاهد التي أمكن التعرف إليها النبي إيليا أمام المغارة، ثم صعوده إلى السماء في المركبة النارية. وهكذا بدا أن الصخر الذي احتضن صلاة أناس مجهولين قبل قرون، ما زال يحتفظ بصدى إيمانهم.
وفي داخل الكنيسة، يقف الإيقونسطاس الخشبي المزخرف، ذو المنشأ الروسي، حاملاً أيقونات قديمة، فيما تحفظ الكنيسة أيقونات للسيد المسيح والعذراء والنبي إيليا والقديسين. إنها عمارة لا تفصل الفن عن العبادة، فكل خشبة وكل صورة وكل تجويف صخري يبدو وكأنه يقول إن الإنسان، حين يبني لله، يترك وراءه أكثر من بناء.
غير أن مار الياس بطينا لم يكن بيتاً للصلاة فقط. فمن رحاب الدير خرجت مدرسة حملت اسمه، وتحولت مع الزمن إلى واحدة من المؤسسات التربوية المعروفة في بيروت. وفي عام 1953 أُعيد ترميم الدير والمدرسة، ثم افتتحت مدرسة مار الياس بطينا عام 1954 بإدارة المربي حليم نهرا، الذي سيعرف لاحقاً بالأرشمندريت تريفون. وقد توسعت المدرسة من التكميلية والثانوية إلى الروضة والابتدائي، وكانت رسالتها التعليمية قائمة على التربية واحترام الأديان من دون تمييز بين الطلاب.
وكان للكهنة الذين خدموا الكنيسة والمدرسة حضورهم في هذه المسيرة. ومن الأسماء التي تحفظها ذاكرة الرعية الأب إيليا عبد الكريم، الذي كان كاهن كنيسة مار الياس بطينا في خمسينيات القرن العشرين، في مرحلة كانت فيها الكنيسة والدير قلباً نابضاً للحياة الروحية والاجتماعية في المصيطبة.
ثم برز اسم الأرشمندريت تريفون (حليم) نهرا، الذي لم يكن مديراً للمدرسة فحسب، بل معلماً وكاهناً خدم أبناء المصيطبة وشبابها. ففي عهده أخذ الدير والمدرسة حياة جديدة، قبل أن ينتقل إلى خدمة رعائية أخرى في أبرشية بيروت الارثوذكسية. وقد بقي أثره حاضراً في مار الياس بطينا حتى بعد رحيله.
أما المدرسة، فقد مرّ في صفوفها معلمون تركوا أثراً في أجيال من البيروتيين، ومنهم إلياس سميره، وإيلي شامي، والشماس جبران رملاوي، ووديع خوري، وإلياس عازار، والشاعر جورج شكور، وغيرهم. وخرجت منها أجيال تولت مواقع ومهن مختلفة في لبنان وخارجه، فكانت المدرسة امتداداً للكنيسة في رسالتها: بناء الإنسان قبل بناء الحجر.

وفي سنة 1975 بدأت صفحة جديدة في تاريخ الرعية مع المتقدّم في الكهنة الأب جراسيموس عطايا، الذي ارتبط اسمه منذ ذلك الحين بكنيسة مار الياس بطينا وبأبناء رعيتها. وعلى مدى عقود، لم تقتصر خدمته على الصلاة والقداديس والمناسبات الكنسية، بل ظل حاضراً في الحياة الاجتماعية والإنسانية للمكان، حتى غدا اسمه جزءاً من الذاكرة المعاصرة للكنيسة.
ولأن بعض الأمكنة لا تُروى من الكتب وحدها، بل من القلب أيضاً، فإنني لا أستطيع أن أكتب عن مار الياس بطينا بصفة “الغائب”. فأنا واحد من أبناء هذه الرعية، ومنها بدأت علاقتي الأولى بالكنيسة والإيمان. في هذه الكنيسة نلت سرّ المعمودية المقدس على يد أبونا جراسيموس عطايا، يوم لم أكن أعرف بعد معنى تلك المياه المقدسة، ولا أدرك أن الإنسان قد يحمل معه، طوال حياته، مكاناً ووجوهاً وأصواتاً تبدأ حكايته الروحية منها.
وفيها أيضاً خدمت، طفلاً ثم شاباً، مرتلاً في جوقتها، وفي «مدارس الأحد» كنت تلميذاً ثم معلماً. هناك تعلّمت أن الكنيسة ليست حجارة وأيقونات وشموعاً فحسب، بل جماعة بشرية تتقاسم الفرح والحزن، وتصغي إلى كلمة الله، وتتعلم كيف تجعل من الإيمان سلوكاً ومحبة وخدمة.
ثم جاءت مدرسة مار الياس بطينا لتكمل الحكاية. كنت تلميذاً في المرحلة الثانوية في هذه المدرسة التي حملت اسم الكنيسة، فكان المكان بالنسبة إليّ مدرسةً بالمعنى الحرفي، وكنيسةً بالمعنى الأعمق، وذاكرةً لا تزال ترافقني. بين مقاعد الصفوف وصلوات الكنيسة، وبين صوت الجرس وصوت المعلمين، تشكلت أجزاء من شخصيتي، كما تشكلت شخصيات أجيال كثيرة من أبناء بيروت.
وللدير أيضاً صفحة إنسانية لا تقل قداسة عن صفحته الروحية. ففي أعقاب نكبة فلسطين، استقبلت أرض مار الياس مئات اللاجئين الفلسطينيين، قبل أن يتحول المكان لاحقاً إلى مخيم حمل اسم مار الياس. وهكذا صار اسم النبي القديس مرتبطاً في ذاكرة بيروت أيضاً بحكاية أناس اقتلعوا من بيوتهم، فوجدوا في المدينة مأوى مؤقتاً.
لهذا كله، يصعب النظر إلى مار الياس بطينا ككنيسة وحسب. إنها طبقات من بيروت: مغارة وُلدت منها الصلاة، وكنيسة حفظت الأيقونات، ومدرسة صنعت أجيالاً، وكهنة حملوا رسالة الإيمان إلى الناس، وأطفال تعلّموا فيها، وشباب خدموا في هيكلها، ودير فتح أبوابه للنازحين، وأجراس ظلّت تقول للمدينة إن الإيمان ليس عزلة عن الناس، بل اقتراب منهم.
وربما لهذا يبدو مار الياس بطينا، حتى اليوم، كأنها صلاة حجرية في قلب المصيطبة. وبالنسبة إليّ، ليست تلك الصلاة استعارة أدبية، إنها جزء من سيرة شخصية بدأت عند جرن المعمودية، واستمرت في تراتيل الجوقة، وفي دروس مدارس الأحد، وفي مقاعد المدرسة، ولا تزال تحمل شيئاً من رائحة البخور وصوت الأجراس ودفء الوجوه التي أحببتها.
وحين أتأمل اليوم هذا المكان، أشعر أن أجمل ما في الكنائس القديمة ليس أنها بقيت واقفة رغم مرور الزمن، بل أنها حفظت داخلها أجيالاً من البشر. وفي مار الياس بطينا، أشعر أنني لا أعود إلى مكانٍ من الماضي، بل إلى جزء من نفسي.
وبين الصخر القديم وجرس الكنيسة، يبقى النبي إيليا شاهداً على معنى بسيط وعميق، أن الأماكن المقدسة لا تعيش بالحجارة، بل بما يتركه المؤمنون فيها من محبة. وربما كانت هذه هي أعظم هدايا مار الياس بطينا لأبنائه، أن يعلمهم، بصمت، أن الإيمان الذي يبدأ في الكنيسة لا يكتمل إلا حين يتحول إلى محبة للإنسان، وخدمة للمجتمع، ووفاء للمدينة التي احتضنتنا جميعاً.