المحامي ميشال فلاّح
ليس السؤال في لبنان اليوم ما إذا كان ينبغي محاسبة رياض سلامة أو المسؤولين المصرفيين الذين تثبت مسؤوليتهم. السؤال الأكثر إلحاحاً هو: هل ستتوقف المحاسبة عند الحلقة المالية، أم ستصل إلى الحلقة السياسية التي صنعت، أو شاركت في صناعة، البيئة التي أنتجت الانهيار؟
في 10 الجاري، ادعى النائب العام الاستئنافي في بيروت على حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة ورئيس مجلس إدارة بنك عوده سمير حنّا في ملف يتعلق بجرائم مالية ونقدية، بينها، وفق مضمون الادعاء، تأسيس شركات وهمية، والاستيلاء على أموال تعود إلى مصرف لبنان، واستخدامها في شراء أسهم وسندات بطرق احتيالية، فضلاً عن الإثراء غير المشروع وتبييض الأموال والرشوة. وأحيل الملف إلى قاضي التحقيق، فيما صدرت لاحقاً مذكرة توقيف وجاهية بحق سلامة.
وتأتي هذه التطورات بعد مسار قضائي طويل: توقيف سلامة في أيلول 2024، واحتجازه نحو ثلاثة عشر شهراً قبل الإفراج عنه في أيلول 2025 بكفالة قياسية، مع استمرار ملفات قضائية أخرى في لبنان وخارجه. وفي تموز 2026 أصدر القضاء مذكرة إحضار بحقه في دعوى تتصل بشبهات الاستيلاء على أموال مصرف لبنان.
لا ينبغي، بطبيعة الحال، أن تتحول هذه الإجراءات إلى أحكام مسبقة. فالأصل هو قرينة البراءة، والادعاء ليس إدانة، والتوقيف الاحتياطي ليس عقوبة. لكن ذلك لا يمنع طرح السؤال السياسي والقانوني الذي يتجاوز الأشخاص: هل تجري محاسبة النظام المالي بمعزل عن النظام السياسي الذي أحاط به؟
القانون لا يحاكم الصفة، بل الفعل
يملك القضاء اللبناني أدوات قانونية واسعة لملاحقة الجرائم المالية. فقانون أصول المحاكمات الجزائية يضع ضمن اختصاص النيابة العامة المالية الجرائم الناشئة عن مخالفة القوانين المصرفية والمالية، وجرائم اختلاس الأموال العمومية والإفلاس وغيرها.
كما يجرّم قانون العقوبات الرشوة واختلاس الأموال العامة واستثمار الوظيفة، ويعاقب الموظف الذي يحصل على منفعة شخصية من معاملات الإدارة التي ينتمي إليها. أما قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب رقم 44/2015، فيدرج ضمن الجرائم التي يمكن أن تشكل مصدراً للأموال غير المشروعة الفساد والرشوة والاختلاس واستثمار الوظيفة والإثراء غير المشروع والاحتيال.
وفي المجال المصرفي، لا تقف المسؤولية بالضرورة عند الشخص المعنوي. فالقواعد المصرفية اللبنانية تجعل المديرين المسؤولين عن المخالفات عرضة للعقوبات المالية والأضرار المترتبة عليها، كما تفرض على المصارف واجبات رقابية واحترازية في مجال مكافحة تبييض الأموال.
إذن، محاسبة المصرفيين ليست تجاوزاً للقانون؛ بل هي تطبيق له عندما تتوافر عناصر الجريمة. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه المحاسبة بديلاً عن المحاسبة الأوسع. من نفّذ السياسة ومن صنعها؟
لم يكن الانهيار المالي نتيجة قرار مصرفي منفرد. فقد نشأ ضمن منظومة طويلة من السياسات المالية والنقدية والإنفاق العام والاستدانة وإدارة الدين العام، وهي مجالات لا تقع جميعها في يد المصرف المركزي أو المصارف التجارية.
وهنا تظهر الفجوة الأخطر في خطاب المحاسبة: من السهل تحديد الموظف أو المصرفي الذي وقّع أو نفّذ، لكن الأصعب هو تحديد من قرر، ومن شرّع، ومن وافق، ومن استمر في النهج نفسه رغم ظهور مخاطره.
ليس كل قرار سياسي فاشل جريمة، ولا يجوز تحويل المسؤولية السياسية إلى مسؤولية جنائية من دون دليل. لكن العكس صحيح أيضاً. فعدم ثبوت الجريمة لا يلغي بالضرورة المسؤولية السياسية أو الدستورية أو المدنية.
فالمساءلة ليست طبقة واحدة. وقد جعل القانون اللبناني للرقابة على الأموال العامة مسارات مختلفة، كما أن ديوان المحاسبة، مثلاً، لا يحاكم الوزراء وإنما يحيط مجلس النواب بالمخالفات المنسوبة إليهم.
حين تتداخل السلطة والثروة
تكمن خصوصية لبنان في أن الفصل بين «الطبقة السياسية» و«الطبقة الاقتصادية» لم يعد دائماً واضحاً. فقد تحول جزء كبير من الحياة السياسية إلى شبكة متداخلة من النفوذ السياسي والمصالح التجارية والوكالات والاستثمارات والثروات. وهذا ليس اتهاماً جنائياً لأحد، لكنه واقع سياسي يستحق المساءلة القانونية والمؤسسية.
فحين تتقاطع السلطة مع رأس المال، يصبح السؤال عن المستفيد من السياسات الاقتصادية مشروعاً بقدر السؤال عن منفذها. وحين تتداخل المصالح، لا تكفي محاسبة الحلقة التي ظهرت في نهاية السلسلة، بل ينبغي تتبع السلسلة نفسها.
لقد باتت العبارة الأكثر راحة في لبنان هي: «المسؤولية تقع على مصرف لبنان والمصارف». لكنها قد تكون، قانونياً وسياسياً، نصف الحقيقة فقط.
العدالة التي تتوقف عند أبواب السلطة
المطلوب ليس حماية السياسيين من القضاء، كما أنه ليس إدانة المصرفيين لأنهم مصرفيون. المطلوب أبسط وأكثر صعوبة في آن: أن يتبع التحقيق مسار القرار والمال، لا اسم الوظيفة. فإذا ثبت أن مصرفياً ارتكب اختلاساً أو رشوة أو تبييض أموال، فليُحاسب. وإذا ثبت أن مسؤولاً عاماً ارتكب اختلاساً أو استثماراً للوظيفة أو أي جرم آخر، فليُحاسب أيضاً. وإذا لم تثبت الجريمة، فتبقى المسؤولية السياسية والمؤسسية خاضعة لأدواتها الدستورية والقانونية.
أما أن تنتهي قصة الانهيار المالي إلى عدد من الملفات الجزائية ضد مسؤولين ماليين، بينما يبقى السؤال عن القرارات السياسية التي سبقت الانهيار بلا جواب، فسنكون أمام عدالة مجتزأة، لا عدالة شاملة.
والسؤال الذي يجب أن يظل مفتوحاً ليس فقط من أخذ المال؟ بل أيضاً من صنع النظام الذي سمح بأخذه؟ من اتخذ القرارات؟ من أقرّها؟ من استفاد منها؟ ومن بقي في موقع السلطة بعدما انهار النظام الذي كان يديره؟
في دولة القانون، لا حصانة للمصرفي لأنه مصرفي، ولا حصانة للسياسي لأنه سياسي. المعيار واحد، فعلٌ ثابت، ومسؤوليةٌ محددة، وقانونٌ يطبّق على الجميع.

