حين تدّق أجراس السيدة… بيروت التي تعرف كيف تجتمع (المحامي ميشال فلاّح)

في الخامس عشر من آب، كانت بيروت تعرف أن يوماً مختلفاً قد حلّ. قبل أن تمتلئ الطرقات بصيفها وضجيجها، كان جرس كنيسة نياح السيدة في رأس بيروت يعلن أن عيداً قديماً يعود. عيد رقاد والدة الإله، الذي لم يكن في ذاكرة أبناء المنطقة مجرد مناسبة كنسية، بل موعداً من مواعيد المدينة نفسها.
منذ أكثر من قرن ونصف، تقف نياح السيدة شاهدة على تحولات رأس بيروت وبيروت. بُنيت الكنيسة في ستينيات القرن التاسع عشر، ونمت حولها رعية لم تكن معزولة عن محيطها، بل كانت جزءاً من نسيج حيّ عُرف منذ زمن بعيد بتنوعه وانفتاحه. ومنذ البدايات، ارتبطت الكنيسة بالتربية والخدمة الاجتماعية، فيما بقيت أبوابها مفتوحة على مجتمع يتجاوز حدود الرعية.
وقبل الحرب الأهلية، كان الخامس عشر من آب يحمل ملامح بيروت التي يتذكرها كثيرون اليوم بشيء من الحنين. القداس، الترانيم، الزينة، حركة العائلات، الوجوه التي يعرف بعضها بعضاً، واللقاءات التي كانت تبدأ داخل الكنيسة ولا تنتهي عند بابها. كان العيد دينياً في جوهره، لكنه كان اجتماعياً في حضوره. مناسبة تلتقي فيها العائلات، ويتحول فيها الحي إلى مساحة من الفرح المشترك.
ثم جاءت الحرب.
تبدلت بيروت، وتفرقت العائلات، وغادر كثيرون، وانكفأت الرعايا تحت وطأة الخوف والهجرة والانقسام. لكن الكنائس، ومنها نياح السيدة، لم تكن مجرد أبنية تنتظر انتهاء الحرب. كانت أماكن للصلاة، نعم، لكنها كانت أيضاً أماكن للصمود، ولإبقاء شيء من الحياة الطبيعية قائماً وسط مدينة فقدت كثيراً من انتظامها.
وفي تلك السنوات، كان كهنة الرعية وأبناؤها يحاولون أن يحفظوا ما يمكن حفظه. واستمرت الخدمة الروحية والاجتماعية، فيما ظل التعليم والنشاط الشبابي جزءاً أساسياً من حياة الرعية، وهي تقاليد ارتبطت خصوصاً بالجهد الرعائي للأب جرمانوس الحاج الذي وضع النشاط التعليمي في صلب خدمته.
لكن قصة نياح السيدة لم تتوقف عند نهاية الحرب. فالتحديات الجديدة لم تكن أقل قسوة: الهجرة، الأزمة الاقتصادية، تراجع أعداد العائلات، والانفجار الذي هز بيروت، ثم السنوات الطويلة التي جعلت كثيرين يتساءلون عما إذا كانت المدينة لا تزال قادرة على استعادة حياتها.
هنا تبدو أهمية الدور الذي لعبه ويلعبه المطران الياس عوده في حياة أبرشية بيروت ورعاياها. فالرعاية بالنسبة إليه لم تكن إدارة مؤسسات كنسية فحسب، بل الحفاظ على حضور الكنيسة في المدينة، وعلى قدرتها على الوقوف إلى جانب الناس في الأزمات. وفي هذا المعنى، كانت صلابة الرعايا بعد الحرب والصعوبات المتلاحقة جزءاً من صمود بيروت نفسها.
ولعل نياح السيدة تقدم اليوم نموذجاً واضحاً لذلك.
فمع الأب نقولا سميرة، كاهن الرعية الحالي، الى جانب الاب الحاج، تبدو الكنيسة وكأنها تستعيد شيئاً من نبضها القديم، ولكن بلغة الحاضر. فالحضور الرعوي لم يعد مقتصراً على المناسبات الكبرى. صارت الكنيسة تستعيد حركة المؤمنين في قداس الأحد وفي مختلف المناسبات، حتى باتت دوماً تغص بالمصلين. إنها عودة لا تختصرها الأرقام، لأن ما يعود إلى الكنيسة ليس عدد المؤمنين فقط، بل إحساس الناس بأن للرعية مكاناً في حياتهم اليومية.
وهذا تحديداً ما يجعل عيد السيدة في رأس بيروت أكثر من احتفال ديني.
ففي بيروت، لطالما كانت المناسبات الدينية قادرة على تجاوز حدود الطائفة. ومريم ليست اسماً غريباً على الوجدان الإسلامي، فهي مريم العذراء، التي تحتل مكانة رفيعة في القرآن والذاكرة الإسلامية. لذلك لم يكن غريباً أن يتعامل أبناء بيروت، مسلمين ومسيحيين، مع أعياد السيدة بوصفها جزءاً من ذاكرة المدينة، حتى لو اختلفت طقوسهم وتقاليدهم الدينية.
وفي الخامس عشر من آب، يصبح هذا المعنى أكثر وضوحاً: مسيحي يدخل الكنيسة للصلاة، ومسلم يمرّ في الحي فيرى زينة العيد وحركة الناس، وجار يهنئ جاره، ووجوه قديمة تعود إلى المكان الذي حمل جزءاً من طفولتها وذاكرتها.
وهذا العام، كما كل عام، ترأس المطران الياس عوده قداس عيد رقاد والدة الإله في كنيسة نياح السيدة، وسط حشد من المؤمنين، مؤكداً في عظته أن العيد ليس مجرد ذكرى لحدث مضى، بل إعلان للرجاء والحياة.
ربما لهذا تبدو نياح السيدة اليوم أكثر من كنيسة في رأس بيروت. إنها ذاكرة حيّ، وذاكرة بيروت، وشاهدة على أن المدن لا تصمد بالحجر وحده، بل بالناس الذين يصرون على العودة إليها.
حين تدق أجراسها في الخامس عشر من آب، لا يسمعها الأرثوذكسي وحده. يسمعها الجار، والصديق، وابن الحي، ومن بقي ومن هاجر، ومن يتذكر بيروت القديمة ومن يبحث عن بيروت جديدة.
وفي مدينة أنهكتها الحرب والانقسامات والأزمات، يصبح ذلك الجرس رسالة بسيطة وعميقة: أن التعايش ليس شعاراً يُرفع في المناسبات، بل حياة يومية تبدأ من حيّ، ومن كنيسة، ومن جار يعرف أن اختلاف الصلاة لا يلغي وحدة المدينة.
وربما تكون هذه هي المعجزة الصغيرة لعيد السيدة: أن تعود بيروت، ولو لساعات، إلى ما كانت تعرفه ذات يوم جيداً… أن تجتمع.