المحتفى بها: ،اخترت أنو ديواني اليوم يساهم بتجهيز غرفة من قاعة كنيستنا ، لتكون مركز رياضي وثقافي وإجتماعيّ صغير، لزغارنا وشبيبتا
وَقَّعَتْ الشاعرة الشيخة ماتيلدا الجُمَيِّل منسقة اللغة العربية وآدابها في مدرسة الليسه بيت شباب دِيوَانَهَا «بَيْت بِيُوت» الصادر عن دار الإبداع، في قاعة كنيسة سيدة المعونات في عين الخروبة بِحُضُورِ رَئِيسِ الجُمْهُورِيَّةِ الأَسْبَق الشَّيْخ أَمِين الجُمَيِّل مُمَثَّلًا بِالسَّيِّدَة بَاسْكَال طَرْزِي، والمِطْرَان طُونِي بُو نَجْم (رَاعِي أَبْرَشِيَّة أَنْطِلْيَاس المَارُونِيَّة)، وَالمِطْرَان مَارُون نَاصِر الجُمَيِّل (الزَّائِر البَطْرِيَرْكِيّ عَلَى أُورُوبَّا)، ورُؤَسَاءِ بَلَدِيَّاتِ وَمَخَاتِير، وأُدَبَاءِ وَشُّعَرَاءِ وَأَكَادِيمِيِّينَ تَوَقَّفُوا عِنْدَ الدِّيوَانِ مُحَلِّلِينَ أَبْعَادَهُ الشِّعْرِيَّةَ وَالنَّفْسِيَّةَ وَالفَنِّيَّةَ. وَقَدْ كَانَ لِمُدِيرَةِ قِسْمِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ فِي الجَامِعَةِ اللُّبْنَانِيَّةِ الدُّكْتُورَة مَهَى الخُورِي، وَالأَدِيبِ الدُّكْتُور رَبِيعَة أَبِي فَاضِل، وَالشَّاعِر عَبْدُو لَبَكِي، كَلِمَاتٌ فِي المناسبة عن الأديبة وديوانها.
مهى الخوري
وألقت الدكتورة مهى الخوري كلمة جاء فيها:
ديوان “بيت بيوت” للشاعرة ماتيلدا الجميّل..
أسئلة كثيرة تُطلُّ علينا منذ اللحظة الأولى التي تواجه فيها عنوان الديوان “بيت بيوت”، في زمن تتبدّل فيه الجدران وتتهاوى الطمأنينة، فأيُّ بيت يبقى فينا بعد أن تغادرنا البيوت؟ وأي أثر يظلُّ مقيمًا في الذاكرة حين تنطفئ الأمكنة؟ وهل نسكن البيوت حقًا أو أنها هي التي تتكاثر داخلنا وتسكننا؟ وماذا لو كان البيتُ في جوهره، ليس مكانًا نأوي إليه بل معنى نبحث فيه عن ذواتنا كلما أوشكت على التلاشي؟
لا يبدو “بيت بيوت” مجرّد عنوان لديوان شعري، بل تحوّل مع ماتيلدا إلى علامة سيميائية واستعارة رمزية للذات الإنسانيّة في تعدّدها وانقسامها. فالبيت، مصدر الراحة والألفة، تمظهر دليلًا حسّيًا على تشظي الكينونة إلى حجرات داخليّة متقابلة في بنية وجودية مأهولة بالتناقضات، تحمل في وعيها خرائط متنازعةً متعددة الطبقات، تتجاوز فيها أنظمة متنافرة من الإيمان والشك والحرية والأسر والحضور والفقد، فتتصدع مرجعية الأنا الثابتة “البيت” إلى “بيوت” لا يكتمل السكن فيها أبرًا، ضمن فضاء جدلي تتجلى الشياطين فيه أصواتًا مأزومة تتسربل بالخذلان، فتحيل القلق نزعة نفي للوجود واستسلام للعدم.
تقول الشاعرة:
“مرهقة أنتِ فانتحبي وثوري على حظ قدرٍ وصُبّي الحقد على ربّ وعلى قدس السلاطين” (ص70)
فيما ينهض الصليب علامة عبور، جرحًا يرفض أن يفقد دلالته، انتصارًا خفيًّا للروح أمام حتمية السقوط، فتعلن ماتيلدا بوضوح:
“والكفر الأكبر أن أرذل صليبًا يُحيي قرابيني، فعُذرًا منها شياطيني” (ص71، 72)
وتبقى المواجهة بين وعي يتداعى تحت وطأة الألم، وروح تأبى أن تكرس الألم حقيقة الوجود الأخيرة، والكائن معلق بين هاويتين، في معركة داخلية تتنازعه فيها غواية اللعن وإرادة الحبّ. غير أن الشاعرة تُنهي الصراع بحسم جمالي راق، فتقول:
“وعودي من حيثُ أتيتِ فلست سوى هول الذكرى والوجه الأظلم للفكرة وحرف في دواويني” (ص72)
وفي مواجهة لاحقة، ذات طابع تأملي حزين، توسلت ماتيلدا “مرآة” استحالت أداة اغتراب، و”طيفًا” انعكس بقايا وجود، و”همسًا” انساب من شقوق الروح فغدا أشد فتكًا من الصراخ، و”حُلْمًا” صُلب في صمت التاريخ فغدا بشير الغياب ختمًا نهائيًا على زمن الخلاص، و”قصيدة” تجاوز العجز فيها حدود اللغة، فانهارت اللغةُ نفسها أمام فائض المعاناة، وتوزعت بين فصحى وعامية، كانتا كفيلتين برسم رحلة تفكك تحت ضغط ذاكرة، وبتصوير حُطام قلب منشطر بين جوهر ثابت متماسك يعيش اتساعًا كونيًّا مطلقًا، وصورة خانقة مستجدّةٍ فرضها الألم والزمن والعنف والشر والعفن، في مفارقة شديدة العمق بين الفناء والخلق، بين انطفاء الإنسان واستمرار صداه.
فتقترب ماتيلدا في مواجهتها هذه من التصوّر الوجودي للذات عند جان بول سارتر ومارتن هايدغر، حيث يصبح الإنسان كائنًا ملقى في الزمن يعاني انفصالاً بين ما كان عليه وما آل إليه، ويشعر بأنَّ وجوده يتأكل في ظل الحصار الداخلي، والهوية المتشظية، والذات المأزومة. وإزاء هذا الواقع، لا سبيل للخلاص إلا عبر الكتابة بوصفها محاولة لمقاومة التلاشي، وتحديدًا، عبر الشعر بوصفه سعيًا دائمًا إلى امتلاك الحقيقة ومطاردة المطلق، فتقول ماتيلدا:
“وبحبر شايب، تكتب الذكرى، والذكرى دموع وضحك وسرار، وتزهر الذكرى، وتلوّن بوجك نار… وتدفّي قلب نبضاتو وحيدي.. وتلمع نجوم الشعر لكانت بعيدي… وتولد من شهقة أبد آخر قصيدة” (ص8، 9)
ويرتسم أمامنا زمن انكسار آخر للشاعرة، يقوم على تفكيك هوية مدينة غدت ذاكرةً تنزف “بيروت”، فأعادت تركيبها جسدًا منكسرًا، كائنًا أنثويًّا جمعيًّا منتهيًا، مغتصبًا، ضمن فضاء منغلق على ساكنيه، يُعيد إنتاج الخراب قدرًا يوميًا وحالةً ممتدّةً، بلا لحظة توقف، وبلا أمل في تجاوز الحدث أو في محاولة الإمساك بالكارثة، في انكشاف راعب لضعف الإنسان أمامَ عُنف التاريخ.
زمن ينطفئ فيه كل شيء: الأصوات والبيوت والطفولة والذاكرة… زمن لم يعد الصوتُ فيه فعل مقاومة، إذ تحوّل إلى مادة تُستخدم لصناعة فراغ معقد، والعنف لم يعد حادثة، إذ تحوّل إلى نظام دال على الانهيار، والموتُ لم يعد نهايةً، بل أصبح نتيجة حتميّةً ضمن لعبة مستمرة، وبيروت لم تعد بيروت، إذ انفصلت صورتها عن ذاتها وفقدت تطابقها مع معناها. فتقول:
“وصارت صواتهنّ بكر خيطان تحبّك عنكبوت” (ص29، 30)
“والحوت ملتم غبي بإيدو رصاص بيلعب لعبة لعيني بحياة الناس” (ص29)
“وبيروت مش بيروت” (ص30)
وبعد المواجهة انسحاب من المعنى، “قصيدة هروب” (ص38)، يتحوّل الزمن فيها من حيّز للحضور إلى عبء ثقيل يجرُّ الذات نحو خواء داخلي متدرج، كفيل بتفكيك التجربة العاطفية، علامةً على انطفاء الرغبة في التفاعل مع العالم، وعلى انكسار الدهشة التي تُبقي الإنسان حيًّا، ودلالة على انغلاق دائري للرؤية على نفسها ضمن إيقاع ساكن تنحدر اللغة فيه نحو صمت داخلي عقيم، فتقول الشاعرة:
“وصار الكلام سكوت” (ص28)
وتستأذن بدر شاكر السياب لتقول:
“ويسهر مسامرًا عقارب عقيمه، تدندن أنشودة تغور في الحجر، ضجر، ضجر، ضجر” (ص38)
ثُمَّ تعلن:
“ليس صمتي بالنسبة إلي هو القضية… يؤلمك صمتي ولا يؤلمني… يجرحك صمتي ولا يجرحني، يعنيك صمتي ولا يعنيني… يُضحكني صمتي ويُبكيك، ينصرني صمتي ويُدميك، يُحييني صمتي ويُرديك” (ص50، 51، 52، 53)
وبعد الانسحاب، تفاجئنا ماتيلدا بإعلان وفاة متخيل للمعرفة ولإمكانية الحلم بواقع عربي مختلف، تُتبعه بمحاكمة رمزية كبرى للتاريخ والسياسة والبنى النفسيّة المتصدعة في العالم العربي، محاكمة كفيلة بالكشف عن كيفية تحول الوعي الحر نفسه إلى جريمة تستوجب الإعدام، وعن إمكانية أن يكون القاتل الحقيقي مجتمع متشكّل داخل البنية العربية عينها، داخل التخلف والاصطفاف وثقافة الهتاف والانقياد الجمعي، ما يجعل القبر آخر مساحات الحرية، والموتَ أكثر رحابةً من واقع غدت فيه المعرفة تهمةً، والرجاء خطرًا، والاختلاف جريمةً، في محاولةٍ واضحة للقول إنَّ الفكر، حتى وهو يُدفن، يظلُّ الصيغة الأفضل للمقاومة، وإنَّ الإنسان قد يُهزَمُ تاريخيًا، لكنه ينتصر رمزيًّا من خلال تمسكه بالقراءة والكتابة والإيمان بالمستحيل.
في ديوانها هذا، تتجاوز ماتيلدا حدود التجربة الفردية لتلامس مأساة الإنسان المعاصر، وهو يبحث عن موطئ لروحه وسط واقع يتشيأ أخلاقيًا وحضاريًا، ولا يقتصر الموتُ فيه على انطفاء الجسد بل يمتد إلى خراب المدن، وتأكل المعنى، وانهيار اليقين، واغتيال الذات الحالمة داخل عالم يأبى الاختلاف والتميز.
غير أنَّ ماتيلدا، في عمقها، إنسانةٌ حُرّة، لا تنحاز إلى الفراغ، بل تحوّل قصائدها إلى فضاء يتجاور فيه الصمت مع الصوت، ليغدو الشعر متنفساً أخيراً للوجود الإنساني، ومحاولة إنقاذ لما يمكن إنقاذه عبر اللغة والخيال والحلم… وليصير النص الشعري شاهداً على رهافة الإنسان، وعلى قدرته اللافتة على إعادة تشكيل الألم وتطويع الجراح وتحويل الخيبة إلى أثر يُضيء في العتمة.
فالهزائم لا تُطفئ الوعي، والمقابر لا تُخرِسُ الفكرة، والكلمة، في ثقافتنا المسيحية، حين تبلغ جوهرها، تغدو أقدر من الموت على البقاء، وأقرب إلى القيامة والعبور نحو نور لا يُفسَّرُ بل يُعاش… والآن، نغادر “بيت بيوت” ماتيلدا، ولكن، ثُمَّ بيوت لا نخرج منها، تظلُّ مقيمة فينا، تُعيد تشكيل ذواتنا وصوتنا ونظرتنا إلى الأشياء، وهكذا، يغدو الشعر مع ماتيلدا بيتاً تُشيَّدُ جُدرانه بذلك الحضور الذي يتركه الإنسان في الوجود، انتصاراً على حتمية الزوال…
الدكتور ربيعة أبي فاضل
ثم ألقى الدكتور ربيعة أبي فاضل كلمة جاء فيها:
” بَيت بيوت” وتجربةُ اللَّعب مع الجِدّ!
بعدَ أَن قرأتُ “بيت بيوت” للشَّاعرة ماتيلدا، خَطَرتْ ببالي فكرتان، الأُولى لفرويد وهي أَنَّ الشَّاعرَ يلعبُ كالطّفل، وَيخلقُ عالمهُ، يَستعلي به على الواقع، وَيُحاولُ أَن يتَحرَّرَ من سلطان ما يَفرِضُه الخارجُ على الذَّات، مُحاولاً قمعَها. لذلك، يَنسِجُ الرَّجلُ مَزيدًا من أَحلام الطّفولة، ويجدُ إِطالةَ سَفَرِ الخاطر في لطائفِ الخيال، أَجدى، وأَروحَ للنّفس، من كلفة مُعاينةِ الحضارة، وناسِها، وَرُتوبها. فاستعارةُ الشَّاعرة نَوعًا من الهزل والعَبث، وتذوُّقها حلاوةَ الطُّفولة، إِنَّما هما ضربٌ من التّزويق، والتَّخييل، والفطنة، واللَّعب، الأَمرُ الذي يُشْبِهُ النِّعمَة الرُّوحيَّة، ويُجدِّدُ الدَّاخلَ، وَيَتركُ فرحًا عجيبًا، ويُزيلُ أَطباقَ الوَحشة عَنِ النَّفس.( )
أَمَّا الفكرةُ الثَّانيةُ فَهْيَ لكارل يونغ القائل: “يُعايشُ الرَّجلَ طفلٌ لا يَكُفُّ عنِ التَّحوُّلِ ، والتَّنامي أَبدًا، وَهُوَ يَحتاج باستمرار إلى عناية، ورعاية، وحضور. وتجربةُ الطِّفل الأَبديّ، في الكائن، رجلاً أَم امرأة، هي حالةٌ غريبة يصعب وصفُها”. ( )
هذا الطِّفلُ المزروعُ في الذَّات الشَّاعرة، إذًا، يَنضَجُ أَبدًا، وَيحتاجُ إِلى تَفهُّم، ورعاية، وحضورُه الفاعلُ فينا، يُذكّرنا بأَدبيَّات هندوسيَّة، ومسيحيَّة، تَحثُّ على العودة الدّائمة إلى الطّفولة، وقاعدةُ الأُولى، أي الهندوسيّة: “نستطيع التّأكيدَ أَنّنا جميعًا، في هذا الكون، نلعب، كما الأطفال تمامًا”.( )
وقاعدةُ الثَّانية، أي المسيحيّة: “إِنْ لم ترجعوا فتصيروا مثلَ الأَطفال لن تدخلوا ملكوتَ السَّموات( )، وفي هذا المقام، لا بُدَّ من تمييزِ البراءَةِ والرُّقيّ، مِنَ السَّذاجة، والبَلاهة، فالطّفلُ الذي فينا هو الجانبُ الصَّافي، الشَّغِفُ بالجمال، والجِدّ.
وَمَن يتتبَّع تجربةَ الشَّاعرة يلحظ هذه النَّزعةَ إلى الارتباط باللَّعب الطّفولي، إلى حلم ماضٍ لم تُعرَف أَسرارُه، يبقى القلبُ في شوقٍ إليه حتى يرومَ الشَّمس( ). ويتكرَّرُ رمزُ الشَّمس، في النُّصوص، خصوصًا في جِواء الطّفلةِ الشَّاعرة بغربتها، في حاضرٍ مُرّ. فهْيَ في ذُروة الغبطة كانت تبيعُ الفرح، وتُعانقُ النّجمَ طفلةً، وَتُحَلِّقُ راقصةً بينَ أَقمارٍ، وشمس( )، وفي قعر المُعاناة، تتأمَّلُ في ما يجري حولَها: “وهَونيك بشوارع خايفي في صوت / جايي تَ يسرق مْنِ الطّفولي عيادها / ويخنق حلم، وينهش أَرض بْزادها، وزوّادها”( ). هذه التَّناقضات بين المثال والواقع، أَحدثت صدمة مؤلمة لكنّها مبدعة، وكأَنّها أوّلُ الشِّتاء على أَرضٍ عَطشى!
وثمّة الحاحٌ على التَّمسُّك باللَّعب، وبالطّفل، مَهما أَحاط به الوعرُ، وهينمَ عليه الخوف، والفزع، والْتَبكَ عليه السّيرُ في دروب الحياة: “بِينَزّل دموعو الْ بِتْكرّسو إنسان بريء / وجابرينو يعيش بأَرض مْحَنَّكي”( ). لذلك يَحُلُّ الحزنُ عندما تَبرُدُ في القلب أَو في الحُبّ، أَلعابُ الصّغار( )، فتعودُ الطّفولة الثّائرة، الحكيمة( ) لتصرخ: “قَلْبَكْ لَشو مْخلّيه / روح قْبَعو وْكِبّو / بْشي وَلْدَني تْسَلّيه / تلعب مَعو، تْحِبُّو / وتِرسُم عَ وِجَّك ضحك مِتل ولاد زغار”( ). وَيَلمُسُ القارئُ أَنَّ مفهوم الطّفولة لدَيها، انطلق مِن “رضا” الطّفل وَهْوَ “عَ صدر إِمّو”( )، وطمأنينتِه وَهْوَ يُغمض عينَيه في حِضن أَبيه( )، ولأنّ الشَّاعرة لا تُدركُ مَرامَها، في الشَّوارع، وفي الزَّمان، فهيَ تَبني أُسطورتها أَو حياتَها الجديدةَ بالكلمة: “أَنا أَصنعُ قدَري بنتاجي”، “ولا في الأَرض مملكتي، ولا الفرحُ فيها فرحي، ولا العرسُ، هُنا، عُرسي”( ). فاللَّعبُ إِذًا، شَرَعَ يبتعد، وَيبحثُ عن فضاءات، حيثُ يَصلُ المرءُ الشَّاعرُ إلى المَقولة الهندوسيَّة: “الله يَنزلُ ويُشاركُنا في اللَّعب”( ).
وَيَنْكَسِرُ الشُّعورُ بالغربة بإِزاءِ انفتاح التَّجربة على وَعْيٍ آخر، على النّظام الكوني :
“فَتّح عيونَك، اطّلَعْ عا وِسع الكَون
مَجِّدِ الخالق الْـ بِمْحَبّتو خالقَكْ
وْخَلّي النَّظَر يِسبَح بْقلب اللَّون
وْخَلِّي اللَّون يقرّبَك تَ يْعانقَكْ”( )
لن أَتَحدَّثَ عن لغة الشّعر في الكتاب، أَو عَنِ التَّفاوتِ في الشّعريَّة ما بين صِيَغِ المحكيَّة، وَصِيغ الفُصحى، ولن أَتوقَّفَ على الإيقاعات الخِطابيَّة المألوفة، وعلى الوضوح في طَرْح المعاني، وغيابِ سحرِ الغرابة، لكنّي رأيتُ أَنّ الحكمَ في هذا الحِبر مُرتبطٌ عُضويًّا بالمستقبل، وَفقَ قول يونغ: “لاوعيُنا، وما تراكمَ فيه من أَحلام، يُعنى بالزَّمان الآتي، وبما يُفجّرُ من طاقات جديدة”( ). وَيَعِدُ بجناحين قَويَّين، وبمزيد منَ التّحوُّلات لدى طفلةٍ وظّفت ذاكرتَها لتصنعَ أَحلامًا كبيرة لها، ولهذه الأرض المَصلوبة، على أَمل امتلاك الرّؤيا والطَّاقة، والنّور الكافي، للعبور نحو الطّفل الذي يَصهرُ الثُّنائيَّات، ويَسعى لسلام الوحدة، ويكونُ الوسيطَ، وَالمخلّصَ، وصانعَ المُستقبل( ). وبناءً عليه، لا بُدَّ من هجرةِ أَشياء، وتقاليدَ، واجترارات، والتَّحَرُّرِ للتَّجدُّد، والكتابةِ بحبر الرُّوح بَدلاً من حبر العقل، والارتقاءِ بالذّات كي تَتَقَبَّلَ التَّضحيات… فخِدمَةُ الجمال لا تَقِلُّ بهاءً عن خدمة الله، ولكي يُعانقنا اللَّون، ومَعه النَّغمُ، والأَرجُ، والوَلَه، لا بُدَّ من خيالٍ خَلَّاق، وجنونٍ حُلوٍ، لا يُطفَأ سراجُه.
وَبَعْدُ، إنّ في عُمق هذه الطّفلة الشَّاعرة رغبةً لاواعيةً لِلَّعبِ مع الحضور، والغياب، مع الواقع والمرتجي أَو المُنتَظر، في جدليَّة تَتطلُّع الحركةَ، والتّغيُّرَ، والهِجرةَ من المُعاناة إِلى الحياة، ومنَ الظّلمة إلى النّور، ومن البُكاء إلى الرَّجاء. لذلك فَلُبُّ تجربتها الشّعريَّة هو النَّظرُ إلى الحاضر انطلاقًا من المستقبل، أَي إلى التحجُّر انطلاقًا من التّنوُّر. وهذا النّمطُ منَ اللَّعب، في حال تحلَّى بالجِدّ الفلسفيّ، ينفتحُ على هُويَّته الفنيَّة، والرُّوحيَّة، ویکونُ له صوتٌ، ومعنًى، وأَنويَّة مُبدعة (والمَقصودُ: هُويَّةٌ شِعريَّة مُتَفرِّدة).
عبده لبكي
ثم ألقى الأستاذ عبده لبكي كلمة جاء فيها:
20 حزيران 2026
أيُّها السيِّدات والسَّادة،
عشيّة بلوغ النّهار قامته القصوى بين أيّام السّنة جميعها، نجتمع على الشّعر في ظلّ الرّحمة، وأمام أوراقٍ خضراء من البواكير، خُطّ عليها كلمتان : «بيت بيوت».
وقد يتبادر إلى الأذهان: هل يستحقّ الشّعر في زمن الحرب أن نحتفل به، فيما دُخان العنف يأخذ الربيع إلى اليباس!
الشعر أيّها السّادة كلمة الرّوح الّتي تحتضن جميع الكلمات، كلمات الأسى، وكلمات الفرح، وتبلسم جميع الجروح، وتعصب بقوس الغمام جبين التّائقين إلى تهاليل السّلام.
في إحدى زياراتي لمدرسة «Lycée Montaigne»، حدَّثتني أستاذة اللغة والأدب في المدرسة السيِّدة «ماتيلدا الجميّل»، عن ديوانٍ شعريّ لها تأمل في نشره، قلت لها ودون تردّد، وقبل الاطّلاع عليه، سوف أتولى لكِ هذا الأمر.
كنت أعلم في قرارة نفسي، أنّ من يسكب روحه، وسهره، ورحيق معارفه، وحبّ اللّغة، وجماليّات الأدب، في عقول الأجيال، لا بدّ من أن يكون شاعراً. وفي الشعر، إنقاذ الرّوح من ثرثرة العالم.
في شعر «ماتيلدا الجميّل»، باقات من الورد وحنايا النّفس، جمعتها الشّاعرة بأناملها المرهفة، وعلَّقتها على نوافذ الحنين.
ورودٌ لا تذبل، نَضِرَةُ اللّون والعطر، يحيّيها الصّباح، كلّما مرّ بمنزل الشّاعرة في عين الخرّوبة، ليستنشق العطر والعاطفة، ثمّ يكمل تجواله بين الكائنات، بفرحٍ نابض.
و«ماتيلدا الجميّل» تكتب عن نفسها بقلم التجربة الإنسانيّة، ولكن بعصبٍ خاصّ، تُغذّيه مشاعر العنفوان وعزّة النفس، وكأنها تقف في وجه الخيبة، بصلابة من يأبى الهزيمة والانكسار. وما تعبِّر عنه نشعرهُ ولكن لا نقوله.
الحرّيّة هي النّار الّتي تُحرقها، وفيها تجد نفسها، كما لو كانت مُبحرة في زورق من الأحلام المُثقّلة بالعزلة. إلّا أنّ الشّوق إلى الواقع، ولو على حافة الألم، يعود بها إلى توتّر اللّحظة التي فيها، تكون أو لا تكون.
وأحياناً تعتمر «ماتيلدا الجميّل» في «بيت بيوت»، تاج الغضب، لتقول بصوت غامر،ٍ وبلهجةٍ صارمة، ما يشتعل في ذاتها العميقة، وما يثور. غير أنّ غضبها يستسيغه الحقّ، الّذي ترفض أن تُحرمه، وإنَّهُ لَغَضَبٌ كثير الحنان، شفّافٌ كغلالةٍ بيضاء، أو كغيمةٍ لا تعرف غير الحبّ.
ولغة الشعر أسلوباً وخيالاً، في كتابة «ماتيلدا الجميّل»، صقيلةٌ دون صناعة، تنبعث كالضوء، وتتنزّه في الأرجاء حيناً، وتنبثق كما الينابيع صافية مطمئنّةً حيناً آخر، تذهب بحرّيّة حيثما تشاء، لا يعترضها تساؤل بالرّغم من طغيان الأسئلة المشحوذة، وكم هي وُجوديّة. لغةٌ لا يعتريها وهنٌ، في انطلاقها بخُطىً متسارعة، على ترابٍ متألّم.
وهذه الجوّانية في مجموعة بيت بيوت، إنّما هي حوار خافت، يمشي على رؤوس الأصابع، لئلّا يُزعج أحداً، ولا يبرح يدور في دوّامة القلق، وإن في دفء البيت، وكنف سكينته. والشاعرة تريد أن تُحبّ بجنون الشّوق، ولكن دون ذاكرة، وتريد أيضاً للحبّ ألّا يموت في حطامه، أو ثناياه. أمّا وقت الحبّ على يديها، فيجب ألّا يُحتسب، لأنّهُ قد أخلي من الوقت، ليمتلئ بذاته اللّامتناهية .
وكم كنت أتمنّى، أن أسترسل على هذه الأرجوحة الّتي غُزلت بقصائد «ماتيلدا الجميّل»، وببَوْحها النبيل، وبما توحي به من جمالات، وإن مخرّمة الحواشي، بمرارةٍ حلوٌ مذاقها، ولكنّ وقت الكلام، غير وقت القلب، إذ له حدود وكذلك المنبر !
ماتيلدا الجميّل
كلمة الختام كانت للشاعرة ماتيلدا الجميّل جاء فيها:
إسمحوا لي أن أبدأ كلمتي بالشكر وأُنهيَها بالشعر…
كما أرجو أن تسمحوا لي بأن أخاطبَكم بصيغة المفرد
فاللّغة ُ العربيّةُ وإن أنصفت ميمَ الجماعة، فهْي حتمًا لم تنصف نونَ النسوة.
شكرًا لكِ دكتورة مهى الخوري. إنّ حضورَكِ، وأنتِ القامةُ الأكاديمية الرفيعةُ والقيمةُ الأدبية الراقيةُ، في احتفالِ إطلاقِ ديواني البِكر، شرفٌ كبيرٌ أعتزّ به، وتواضعٌ نبيلٌ يليق بكِ. ولعلّ أجمل ما أهداني إيّاه هذا الديوان ليس صدورَه فحسب، بل معرفتي بكِ؛ تلك المعرفة التي أعدّها مكسبًا ثمينًا. أرجو أن أكون أهلًا لهذه الثقة، وجديرةً بهذه المعرفة التي أعتزّ بها كثيرًا.
شكرًا دكتور ربيعة أبي فاضل، الدكتور الذي كنّا كطلّابٍ جامعيّين نبذُلُ الكثيرَ من المجهودِ والوقتِ لننجحَ في الموادَّ التي تعلّمُنا إيّاها، لأنو مش هيني ننجح عند د. ربيعة متل ما كنّا دايمًا نقول بالجامعة، حتّى إنني عندما دخلتُ مَيدان التعليم، كنت أشعرُ بالفخرِ عندما أعلّمُ نصًّا أوأطالعُ كتابًا من تأليف الأديب ربيعة أبي فاضل إلى درجةِ التباهي أمام تلاميذي بأنني تعلّمتُ عليك. فأن تُبدي رأيَك في ديواني، وتكونَ حاضرًا بيننا اليوم، هو حلمٌ لم أكن أجرؤ على التفكير فيه فكيف بتحقيقه؟. أرجو أن أكون على قدْرِ هذه المسؤوليّة.
شكرًا أستاذ عبدو لبكي. لا أعرف إذا ما كان الشكرُ كافٍ أو يمكن أن يفيَك حقَكَ ، فلولا إيمانُك بموهبتي، لما كنّا هنا اليوم. لن أنسى يومَ قلتَ لي بعد أن قرأتَ ما كتبتُه على منصّتي الإلكترونيّة: “جمّعي لبتكتبي، لأطبعلك ياهن. حرام ما يكون عندك كتاب. “
حينها قلت في نفسي: إذا عبدو لبكي حبّ هلقد لبكتبو يعني أنا بكتب حلو.
فمهما كانت ثقتي بنفسي كبيرة، تبقى شهادةُ مربٍّ ومعلّمٍ وشاعرٍ بقيمةِ عبدو لبكي حافزًا قويًّا لولوجِ بابِ التأليفِ والكتابة . شكرًا أستاذ لبكي شكرًا لكَ أستاذ عبدو لبكي، لأنّكَ لم ترَ في نصوصي كلماتٍ فحسب، بل رأيتَ فيها ديوانًا.
شكرًا دكتورة جنى بيوّض، شكرًا صديقتي وزميلتي لوقوفكٍ إلى جانبي في يومي هذا ، فنحن في العالمِ العبثيِّ الذي بتنا نعيشُ فيه، بحاجةٍ ماسّةٍ إلى المحبّين الحقيقيين، وأنتِ يا جنى، حقيقيّة حقيقيّة.
شكرًا لكلّ من حضر وتكبّد عناء المجيء، شكرًا فخامة رئيس الجمهوريّة الأسبق الشيخ أمين الجميّل ممثّلًا بالسيّدة باسكال طرزي
شكرًا أصحابّ السيادة والسعادة، شكرًا للآباء الأجلّاءء، والأخوات الفاضلات، شكرًا لرؤساء البلديات والمخاتير،
شكرًا لإدارة اللّيسيه مونتاين، مدرستي العزيزة والدّاعمة دائمًا،
Merci, Madame Atallah, pour votre confiance et votre soutien qui me touchent profondément et vont droit au cœur.
Madame Orsini, j’apprécie sincèrement l’effort que vous avez fait pour être présente aujourd’hui pour moi, Sachant que vous et la langue arabe, ce n’est pas encore le grand amour !
Merci comité des parents pour votre présence.
شكرًا لزميلاتي وزملائي ورفاقي في الجهاد،
شكرًا لطلّابي الأعزّاء…
شكرًا لمدرسة الحكمة بيروت التّي صقلَت شخصيّتي المِهْنيّة والأدبيّة،
شكرًا لأهلِ ضيعتي التي أفتخرُ بها، ضيعة المطارين ، الضيعة لأهلها بيزرعوا إيمان وأدب وعلم وكرم….
وأخيرًا شكري لعائلتي الكبرى ولحضورِكم الداعم،
وهنا لا بدّ أن أشكر – وإن غاب عنّا- مثلّث الرحمة – سيّادة المطران بطرس الجميّل – عمّي- لأنّه كان دائمًا من الذين يشجّعونني على الكتابة….
ويبقى امتناني العميق، لصخرتي وملجأي وبيتي، عائلتي الصغرى، قد ما قول بحبكن قليل!
وما في شكر بيكمل إلّا بشكر الله على كل الوزنات لعطانا ياها، وكلنا رجاء أنّو نقدر نردّا أضعاف.
بيت بيوت هوّي ديوان ، بهديه لروح والدتي نوال ووالدي الشيخ رشيد، وعنونتو بيت بيوت، لأنو من عمر الست السنين، الشعر وأنا عم نلعب بيت بيوت…… وكرمال يكون هالديوان بيت حقيقي، متل بيوت ضيعتنا، فيه إيمان وفيه محبّة، ولأنو ببيتنا تعلّمنا من إمّي نتعلّق بسيدة المعونات، لكلنا عايشين ببركتا، ومن بيّ نحبّ ضيعتنا ونخدما، اخترت أنو ديواني اليوم يساهم بتجهيز غرفة من قاعة كنيستنا ، لتكون مركز رياضي وثقافي وإجتماعيّ صغير، لزغارنا وشبيبتا.
وهون اسمحولي إشكر خوري رعيّتنا الأبونا حبيب قزحيا لكان أكتر من داعم ومرحّب ومشجّع للفكرة.
وهلّق خلّونا نرجع للشعر، وخلّينا نحكي شعر.












