لبنان بين مسارين متوازيين:مفاوضات واشنطن ورسائل طهران…


عصام شلهوب- وجوه واحداث
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع الملفات اللبنانية مع مسارات تفاوض دولية وإقليمية متشابكة، أبرزها المفاوضات غير المباشرة الجارية في واشنطن بين لبنان وإسرائيل، والتي وصلت إلى جولاتها الرابعة، بالتوازي مع تصاعد التصريحات الإيرانية التي تربط أي تهدئة في لبنان بتفاهمات أوسع مع الولايات المتحدة.

هذا التزامن بين المسارين يفتح الباب أمام قراءة سياسية أعمق لطبيعة الصراع القائم: هل هو صراع حدودي لبناني–إسرائيلي قابل للمعالجة التدريجية؟ أم أنه جزء من هندسة إقليمية أكبر تتحكم فيها توازنات القوى بين واشنطن وطهران؟

مفاوضات واشنطن

المسار التفاوضي الجاري في واشنطن بين بيروت وتل أبيب يُنظر إليه كجهد لتثبيت قواعد اشتباك جديدة في الجنوب، ومحاولة احتواء التصعيد المستمر. ورغم أن هذه المفاوضات لا ترقى حتى الآن إلى مستوى اتفاق شامل، إلا أنها تعكس وجود إرادة دولية لمنع انزلاق الجبهة اللبنانية إلى مواجهة أوسع.

لكن هذا المسار يبقى هشًا، لأنه يتحرك ضمن بيئة ميدانية متفجرة، حيث لا يزال الجنوب اللبناني عرضة لضربات وتهديدات متبادلة، ما يجعل أي اتفاق سياسي مرهونًا بتطورات عسكرية لحظية.

الرسائل الإيرانية

في المقابل، جاءت تصريحات الخارجية الإيرانية التي اعتبرت أن وقف إطلاق النار في لبنان يجب أن يكون جزءًا من أي اتفاق أوسع مع واشنطن، لتعيد طرح مفهوم “وحدة الساحات” ولكن بصيغة تفاوضية.

من منظور التحليل السياسي، يرى منتقدو هذا الطرح أن ربط الملف اللبناني بمفاوضات لم تصل بعد إلى صيغة مستقرة بين طهران وواشنطن قد يؤدي إلى تعقيد المسار المحلي، وتحويل لبنان إلى ورقة تفاوض في ساحة أكبر منه.

بينما ترى طهران وحلفاؤها أن هذا الربط ليس إلا انعكاسًا لواقع النفوذ المتداخل في المنطقة، حيث لا يمكن فصل لبنان عن التوازنات الإقليمية التي تشمل إيران وواشنطن وتل أبيب في آن واحد.

الإشكالية الأساسية تكمن في التباين بين:

•   مسار لبناني–إسرائيلي مباشر أو شبه مباشر في واشنطن يهدف إلى ضبط التوتر.
•   ومسار إقليمي أوسع تُدخل فيه إيران لبنان كجزء من أوراق التفاوض مع الولايات المتحدة.

هذا التوازي قد يُنتج ما يشبه “الازدواجية السياسية” في إدارة الملف اللبناني، حيث تتحرك أطراف مختلفة بأجندات متقاطعة، ما يجعل الوصول إلى تسوية مستقرة أكثر.

النتيجة العملية لهذا التشابك هي أن لبنان يبقى في موقع “ساحة تقاطع” أكثر منه “ساحة قرار مستقل”، إذ تتداخل فيه حسابات أمنية إسرائيلية، وضغوط أمريكية، ونفوذ إقليمي إيراني، إضافة إلى اعتبارات داخلية لبنانية معقدة.

وفي ظل هذا المشهد، يصبح أي اتفاق جزئي—حتى لو تحقق في واشنطن—عرضة للاهتزاز إذا لم يُدعّم بتفاهمات أوسع على مستوى الإقليم.

بين طاولة واشنطن ورسائل طهران، يقف الملف اللبناني أمام معادلة دقيقة: تهدئة محلية ممكنة نظريًا، لكنها مرهونة بتوازنات إقليمية لم تستقر بعد. وبين من يرى في ربط الملفات أداة تفاوض مشروعة، ومن يعتبره توظيفًا سياسيًا للأزمات، يبقى لبنان في قلب لعبة أكبر من حدوده، وأثقل من قدرته على التحكم الكامل بمسارها.