عفوٌ شيعي عام … من أجل دخول العصر (إيلي الحاج)

عفوٌ شيعي عام … من أجل دخول العصر
إيلي الحاج

تابعت مرة حديثاً طويلاً لأمين عام “حزب الله” الراحل السيد حسن نصرالله روى فيه بالتفاصيل الدقيقة ما حدث “يوم سبي نساء النبيّ”، وكان شديد التأثر. وأذكر أنني استغربت جداً استحضار الحادثة الأليمة كأنها وقعت قبل يومين أو ثلاثة، وعرضها بأسلوب لا يقبل الجدل في صحتها، لكأنها منقولة عن شهود عيان لا سبيل إلى الشك في صحة أقوالهم.
بالطبع مرت في ذهني صور نساء قرويات يدمعن في الكنائس يوم الجمعة العظيمة لدى سماعهن ترتيلة “واحبيبي” أو “أنا الأم الحزينة”، لكن تلك الطقوس تبقى مربوطة بصبغتها الروحية وليس بزمن الحادثة ومكانها وظروفها كما في مراسم إحياء عاشوراء ومن إيامها “سبي نساء النبي”.

وأقول اليوم ​لعلّها المفارقة الأكبر في الذاكرة الجماعية لغالبية شيعية تكمن في البقاء أسرى لحظة “الطف”، كأن الزمن توقف هناك في كربلاء سنة 61 للهجرة. وبالأمس القريب، مطلع عام 2024، شهدت بغداد مشهداً سريالياً بامتياز: محاكمة ليزيد بن معاوية، لكأنّ القضاء المعاصر قادرٌ على حسم صراعٍ عمره أربعة عشر قرناً بقرار محكمة.
​والحقيقة أن هذه القضية الشديدة الحساسية لن تجد خواتيمها في أروقة المحاكم، بل في دهاليز النفس والذهنية التي تأبى حتى اليوم الخروج من “الحداد الأبدي”.
​لقد آن الأوان لخطوة جريئة، ربما “صادمة” للبعض، لكنها ضرورية لمن يريد فعلاً عبور جسر التاريخ نحو المستقبل. نحن بحاجة إلى “عفو شيعي عام”، ليس من قبيل نسيان الجريمة، بل من باب التسليم بأن ما حدث كان صراعاً على السلطة، شأنه شأن آلاف الصراعات التي مرت بها الشعوب والدول عبر التاريخ، من مصر الفرعونية إلى امبراطوريات الفرس وبلاد ما بين النهرين وأثينا وروما إلى باريس وصولاً إلى أميركا.
​هذا العفو يجب أن يشمل الجميع، وحتى المتهم شمر بن ذي الجوشن، انطلاقاً من قاعدة “أنهم لا يدرون ماذا يفعلون”. فالجميع كانوا أدوات في آلة حكمٍ لا ترحم، وقوداً لصراعٍ بشريّ صِرْف على الكرسي والنفوذ.
​وإذا كان الهاجس هو “العدالة”، فقد تولى المختار الثقفي المهمة في حينه، وأعمل السيف في رقاب القتلة وجميع المشاركين في تلك الفاجعة، او غالبيتهم ، فأغلق الحساب الدموي بالدم. أما استمرار الاستحضار النفسي للثأر اليوم وكل يوم، فهو وصفة لمزيد من الفواجع والنكبات والكوارث إلى أبد الآبدين.
​فتح صفحة جديدة ليس ترفاً، بل هو ملحّ. فدخول العصر مستحيل بذاكرة محملة بالدماء والندم والخصومات التاريخية ونداءات استعادة الكرامة الجريحة. نحن البشر نحتاج إلى غفران لنرتاح، إلى “العفو” لنمشي إلى الأمام. والتاريخ نقرأه لنتعلم منه، لا لنعيش فيه.
اقلبوا الصفحة. صدقوني لا أجمل من الولادة من جديد صباح كل يوم.