هلْ أصبحَ الخلافُ في لبنانَ على مَنْ يتبنَّى ويتوَّجُ بطلَ وقفِ إطلاقِ النَّارِ إذا حصلَ.
تستمرُّ المأساةُ اللبنانيَّةُ في فصولِها المتلاحقةِ حيثُ لم يعدْ القصفُ والنُّزوحُ هما العنوانانِ الوحيدانِ للمشهدِ،
بلْ إنضمَّ إليْهما عبثٌ سياسيٌّ يحاولُ تحويلَ وقفِ إطلاقِ النَّارِ منْ ضرورةٍ إنسانيَّةٍ ووطنيَّةٍ ملحَّةٍ إلى ورقةِ مقايضَةٍ ومزايدةٍ في سوقِ النُّفوذِ الإقليميِّ.
وبينما تئنُّ القرى تحتَ وطأةِ النَّارِ يبدو أنَّ الخلافَ الداخليَّ المدفوعَ بإملاءاتٍ خارجيَّةٍ،
قد تحوَّلَ إلى صراعٍ على هويَّةِ صاحبِ المبادرةِ ومَنْ يملكُ الحقَّ في التَّوقيعِ على صكِّ الهدنةِ.
وفي أيِّ دولةٍ تحترمُ سيادتَها يكونُ قرارُ الحربِ والسِّلمِ بيدِ المؤسَّساتِ الدستوريَّةِ وحدَها.
لكنْ في لبنانَ نجدُ أنفسَنا أمامَ مشهدٍ سورياليٍّ:
حيثُ تتعدَّدُ الأصواتُ التي تدَّعي تمثيلَ الموقفِ اللبنانيِّ ويبرزُ السُّؤالُ الجوهريُّ:
هلْ الدولةُ اللبنانيَّةُ هي التي تتفاوضُ أم أنَّها مجرَّدُ صندوقِ بريدٍ يحملُ رسائلَ منْ قوى غيرِ لبنانيَّةٍ؟
وصارَ واضحاً أنَّ التَّهافتَ على تبنِّي وقفِ إطلاقِ النَّارِ ليسَ مجرَّدَ رغبةٍ في إنهاءِ المعاناةِ ،
بلْ هو محاولةٌ منَ الأطرافِ المواليةِ لمحورِ الممانعةِ لإعادةِ تدويرِ نفوذِها وتصويرِ أيِّ تهدئةٍ محتملَةٍ،
على أنَّها نصرٌ سياسيٌّ لمحورِ الممانعةِ ولأيران وليسَ إستجابةً لصرخاتِ اللبنانيينَ الذينَ فقدوا بيوتهمْ وأرزاقهمْ، ولعلَّ السؤالَ:
إلى متى إيران وبعدَ إستخدامها لبنانَ كمنصَّةٍ لتحسينِ شروطِ تفاوضها مع المجتمعِ الدوليِّ تستثمرُ في الدِّماءِ وتتعاملُ مع لبنانَ كساحةِ تجاربَ،
وخطِّ دفاعٍ اوَّلَ عنْ مصالحِها القوميَّةِ دونَ أدنى إعتبارٍ للمصلحةِ الوطنيَّةِ اللبنانيَّةِ.
فلماذا يبدو “اللبنانيُّ” بالنسبةِ لطهران مجرَّدَ رقمٍ في معادلةِ توازنِ الرُّعبِ ويُضحَّى بهِ منْ أجلِ بقاءِ النِّظامِ في إيران؟
والمُبكي أنَّهُ بينما يتباحثُ الجميعُ حولَ مَنْ يتبنَّى وقْفَ إطلاقِ النَّارِ،
يغيبُ عنْ بالهِمْ أنَّ الارضَ المحروقةَ لا تصنَعُ نصراً، فكيفَ يتمُّ تصويرُ وقفِ إطلاقِ النَّارِ بأنَّهُ نتيجةٌ لصمودِ المحورِ، أفليسَ هذا إستخفافاً بالعقولِ؟
اليومَ المخرجُ الحقيقيُّ هو بأنْ تُكمِلَ السُّلطةُ السياسيَّةُ مسارَ التَّفاوضِ في واشنطن وبرعايةٍ اميركيَّةٍ مع إسرائيلَ وهو مسارٌ يؤكِّدُ أنَّ هناكَ دولةً لا دويلةً .
وبأنْ يتمَّ دعمُ كلِّ المناشداتِ والنِّداءاتِ لحصرِ السِّلاحِ ودعمِ مبادرةِ مؤتمرِ بيروتَ بالأمسِ “لبيروتَ منزوعةِ السِّلاحِ”،
بغضِّ النَّظرِ عمَّنْ طالبَ بها على أملِ أنْ يُصبحَ كلُّ لبنانَ منزوعَ السِّلاحِ.
لقد آنَ الأوانُ لرفعِ اليدِ الإيرانيَّةِ عنْ الخلْقِ اللبنانيِّ،
فلبنانُ ليسَ ساحةً وليسَ صندوقَ بريدٍ بلْ هو وطنٌ يستحقُّ أنْ يعيشَ بكرامةٍ بعيداً عنْ إيديولوجيَّاتِ الموتِ العبثيَّةِ،
التي تُستورَدُ منَ الخارجِ لتُطبَّقَ على أشلاءِ اللبنانيينَ،
ودونَ إستعادةِ هذهِ السيادةِ سيبقى أيُّ وقْفٍ لإطلاقِ النَّارِ مجرَّدَ إستراحةِ محاربٍ،
في إنتظارِ حريقٍ جديدٍ تشعِلُهُ طهران!


