الأب الدكتور بشارة الخوري في رسالة الى اللبنانيين في عيد البشارة: اخترنا المقاومة… المقاومة اللينة. نعم، اخترنا أن نقاوم، لا بالصراخ الفارغ، بل بالفعل الهادئ الصّلب؛ لا بالإنفعال العابر، بل بالثبات لا يتزعزع؛ لا بمنطق الإنكفاء، بل بمنطق المواجهة الواعية لكل ما يهدد بقاء لبنان وهويته، ورسالة عَيشه الحرّ

وجّه رئيس جامعة سيدة اللويزة الأب الدكتور بشارة الخوري رسالة الى اللبنانيين الذين يجتمعون معًا من كل الطوائف والمذاهب للإحتفال بعيد البشارة، بشارة سيدتنا مريم العذراء، جاء فيها:

يلتقي اللبنانيون في عيد البشارة، لا لنقرأ في كتاب الغيب، بل لنكتب في كتاب الوطن. فهذا العيد الذي أردناه في لبنان مساحةً جامعة، هو في جوهره رجاءٌ وسط اليأس، وإعلانٌ لبداياتٍ مهما اشتدّت النهايات، فيما تمرّ على وطننا ظروفٌ أمنيّة دقيقة وصراعات تنذرُ بالخطر على لبنان، لا ننحني أمام العاصفة، بل لنقول بملء الإدارة: هذا الوطن لا يُخيفه التّهديد، ولا تسقطه الأزمات، ولا يُكسر ما دام فيه شعبٌ يرفض الإستسلام.
في رسالتي، أحمل في وجداني إيمانًا فعليًا بالوطن، وإصرارًا على أن تكون رسالتنا أعمق من الكلمات. فنحن ندرك تمامًا أن الكلمة التي نعيشها ليست قدرًا مفروضًا، بل امتحانٌ لإرادتنا.
وفي ظلّ الأزمات المتلاحقة التي تعصف بكياننا، وفي زمنٍ يبدو فيه اليأس أسهلَ الخيارات، نستحضر حكمةً تقول: «عندما يُعرض عليك طريقان، فاختر دائمًا الأصعب». ونحن قد اخترنا الطريق الأصعب، واخترنا له شعارًا يتجاوز جدران القاعات ليغدو نهجَ حياة: اخترنا المقاومة… المقاومة اللينة. نعم، اخترنا أن نقاوم، لا بالصراخ الفارغ، بل بالفعل الهادئ الصّلب؛ لا بالإنفعال العابر، بل بالثبات لا يتزعزع؛ لا بمنطق الإنكفاء، بل بمنطق المواجهة الواعية لكل ما يهدد بقاء لبنان وهويته، ورسالة عَيشه الحرّ.
وهذه المقاومة ليست استسلامًا، بل هي قوةٌ لا تكسرها العواصف. ليست شعارًا عاطفيًا، بل استراتيجيةُ بقاءٍ وبناء. فنحن نؤمن بأن الظلمة لا تتبدّد بالشكوى، بل بإشعال منارات العلم. ونؤمن أيضا بأن أشدّ ما يربكُ زمن الفوضى هو وضوح الرؤية، وأشدُّ ما يهزم ثقافة السقوط هو قرار الصمود.
مقاومتنا هذه هي عنادٌ فكريّ في مواجهة الجهل والتطرّف، وهي مرونةُ الأمل التي تدفعنا إلى الاستمرار في البناء، فيما يكتفي الآخرون برصد الردم. هي رسالةُ التربية التي ترفض هجرة الأدمغة، وتُصرّ على أن يكون المختبر والقلم سلاحَنا الأمضى. لن نسلّم هذا البلد للفراغ، ولن نترك شبابه فريسة الخوف، ولن نقبل أن يتحول لبنان من وطن رسالة إلى ساحة انتظار مفتوحة على القلق والخراب.
إنّ جودة التعليم هي خطّ دفاعنا الأخير عن هويتنا الحضارية، ودورنا اليوم يتخطّى منح الشهادات ليصبح صناعةً لمواطنة الغد. مقاومتنا اللينة هي أن نظلّ متميّزين، مبدعين، صامدين ومنفتحين، وأن نحوّل شبابنا من مشاريع هجرة إلى مشاريع قيادة داخل هذا الوطن.
ودورنا، كجامعةٍ في قلب هذه الظلمة، أن نكون الحصن الذي يحمي أحلام الشباب من التآكل، وأن نكون الجسر الذي يعبر بهم من اليأس إلى الرجاء. نحن نقاوم بالمعرفة، ونواجه الانهيار بالابتكار، ونردّ على التفرقة بالوحدة الوطنية الصافية التي يجسّدها هذا العيد.
ومن هنا، ومن منطلق مسؤولياتنا الوطنية والتربوية، نطلقها صرخةً ونداءً:
أيها اللبنانيون، لا تتركوا الخوف يغتال البشارة في نفوسكم. تمسّكوا بحقّ البقاء، وبالحقّ في التعليم، وبالحقّ في وطنٍ يليق بتضحيات أبنائه. تمسّكوا بالعيش معًا، واحرصوا على صون الآخر المختلف، لأنّ في هذا التنوّع سرّ رسالتنا وقوّة وطننا. ولا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأن زمن لبنان انتهى، لبنان لا ينتهي. لبنان يتعب، ينزف، يتعلم، لكنه لا يسقط. لأن في جذوره صلاة، في أرضه تاريخ، وفي شعبه عناد وحياة لا يُهزم.
إنّ قناعتنا الراسخة أنّنا من الدولة وإلى الدولة، وعليها نعلّق آمالنا في شتّى ميادين الحياة الاجتماعية والسياسية والأمنية. ومهما اشتدّت الصعاب، تبقى الدولة الإطار الجامع والضامن لمستقبلنا.

ومن هنا، نجدّد الشكر لفخامة رئيس البلاد، العماد جوزاف عون، على رعايته اعتمادَ جامعةِ سيّدةِ اللويزة NDU كأرضيّة سنويّة للإحتفال بعيد البشارة الوطني، وخلق خطةِ عملٍ على مدار السنة مع طلاب لبنان الذين يشكّلون صورتَه الشموليّة، من أجل تظهير هذه الصورة الحقيقيّة التي لن يستطع أحد أن يحجبها، أو يحاول تظهير عكسها، كما سوف تخوض الجامعة مع شركائها في قطاع التعليم العالي بشكل خاص، والتربوي بشكل عام، ورشة عملٍ مستدامة، وتثميرها نتاجاً نزرع من خلاله بذور التلاقي فيما بين شبابنا أملِ مستقبلنا.
كما نتوجّه بالشكر إلى أبينا صاحب الغبطة والنيافة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي على احتضانه لهذا المشروع، وإلى جميع ممثّلي الطوائف الكريمة الذين حضروا إلى رحاب جامعة مريم، وإلى قدس الأب العام الأباتي ادمون رزق، وإلى المؤمنين بالوطن وبنهائية العيش معًا. وإن بقاء هذه المرجعيات الوطنية والروحية. متلاقية حول لبنان، هو بحدّ ذاته رسالة ثبات في وجه زمن التفلّت والانقسام.
وكما كانت السيّدة العذراء رمزًا للوحدة والرجاء، نسألها أن تبقى راعيتنا وأمّنا، وأن ترافق مسيرتنا.
ونسأل سيدة اللويزة أن ترعى جامعتنا، وأن تبقى هذه الجامعة دومًا جسرًا للعبور من ضيق الأزمة إلى رحاب الوطن.

عاش لبنان منارةً للتربية والحرية والحوار.