إذا كانت الدولة تعرف، فعليها أن تكشف. وإذا كانت تجهل، فعليها أن تحقق. أما أن يبقى اللبنانيون أسرى الخوف والتكهنات، فذلك ما لا يمكن القبول به.
أعلن رئيس الجمهورية أنه سيكشف جميع التفاصيل المتعلقة بما بات يُعرف بـ “شحنة المتفجرات الارهابية” او “شحنة الموت”، التي كان ينقلها اثنين من مسؤولي حزباللا من بعلبك إلى الضاحية الجنوبية. كذلك، وعد رئيس الحكومة بكشف التفاصيل كاملة، ,وصرّح وزير العدل بطلب احالتها على المجلس العدلي، فيما تتزايد الأخبار والتكهنات حول مسار التحقيق وما يُحكى عن مخاوف من تداعياته السياسية والأمنية.
إننا ننتظر الوفاء بهذه الوعود، لأن اللبنانيين يريدون الحقيقة كاملة، وضمانات فعلية بأن أمنهم ليس موضع مساومة، وأن القانون لا يتوقف عند حدود النفوذ السياسي أو الحزبي.
الحقيقة لا يجوز أن تخضع لحسابات الخوف
ليس عيباً أن تتعامل الدولة اللبنانية بحذر مع ملف أمني بالغ الحساسية، وأن تحسب انعكاساته الإقليمية والدولية. ففي عالم الاستخبارات والمصالح، تتشابك الحسابات، وقد تكون أطراف خارجية، بينها إيران أو غيرها، على علم بما يجري أو معنية بتداعياته. لكن تحديد المسؤوليات وإثبات أي ارتباط خارجي يجب أن يستندا إلى التحقيق والأدلة.
أما العيب الكبير، فهو أن يتحول الحذر إلى تردد، أو أن تصبح الحسابات السياسية والأمنية ذريعة لحجب الحقيقة عن اللبنانيين، حين يتعلق الأمر بسلامتهم وأمنهم.
من ينقل المتفجرات، ولأي غاية؟
لقد ثبت أن المواد المضبوطة متفجرات خطرة، وأنها كانت تُنقل من مستودعات في البقاع إلى الضاحية الجنوبية، فإن الأسئلة الأساسية تفرض نفسها: من قرر نقلها؟ ما الغاية من ذلك؟ من كان يعلم بها؟ وإلى أين كانت متجهة؟
هذه ليست تفاصيل هامشية، بل قضية تمس الأمن الوطني مباشرة، ولا يجوز التعامل معها بخفة، خصوصاً في بلد دفع أثماناً باهظة من التفجيرات والاغتيالات والانهيارات الأمنية.
وإذا أكدت التحقيقات مسؤولية حزباللا أو أي جهة تابعة له، فلا بد من تحديد المسؤوليات ومحاسبة المعنيين وفق القانون، من دون حصانات سياسية أو استثناءات فمن حق اللبنانيين معرفة الحقيقة أيضاً.
فخامة الرئيس، دولة الرئيس: ليست كل الملفات سواء
قد تحتمل بعض التجاوزات السياسية أو الأمنية خلافاً حول كيفية معالجتها، كما شهدنا في سجالات صخرة الروشة، وكما تطرح ملفات الفساد وشراء الاراضي في المتن الشمالي وغيرها من المناطق أسئلة حول المحاسبة.
لكن نقل مواد متفجرة يُشتبه في خطورتها ليس سجالاً سياسياً عادياً، ولا ملفاً يجوز التهاون فيه أو غض النظر عن تداعياته.
فخامة الرئيس ، دولة الرئيس ، معالي وزير العدل، إن أمن اللبنانيين ليس مجالاً للمساومة. والمطلوب الوفاء بوعد كشف التفاصيل، وإعلان نتائج التحقيق حين تصبح جاهزة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، أياً كان اسمه أو موقعه أو الجهة التي ينتمي إليها.
فلا يجوز أن يكون القانون صارماً مع المواطن العادي، ومتساهلاً أمام جهة تمتلك قوة سياسية أو عسكرية. الدولة التي تتراجع أمام السلاح تفقد ثقة مواطنيها وقدرتها على حمايتهم.
نريد دولة تحمينا
مطلبنا واضح: نريد دولة تحمينا، وجيشاً يضطلع بمسؤولياته على كامل الأراضي اللبنانية، وأجهزة أمنية تعمل تحت سلطة القانون، وقضاءً يحاسب من دون تدخل أو ضغط.
نريد أن نطمئن إلى أن أمننا ليس رهينة قرارات حزب أو محور، وأن قرار الحرب والسلم والأمن الداخلي يعود إلى المؤسسات الشرعية وحدها.
هل لبنان وطن لجميع أبنائه؟
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يعتبر، كل من يعيش على هذه الأرض، ان لبنان وطنه النهائي، والدولة اللبنانية هي مرجعيته السياسية والأمنية الوحيدة، وسائر اللبنانيين شركاء متساوين في الحقوق والواجبات؟ أم أن هناك من يرى لبنان ساحة لمشروع يتجاوز حدوده، ويربط قراراته الاستراتيجية بمحور خارجي، اليوم ايران غدا لا ندري، فيما يدفع اللبنانيون جميعاً أثمان خيارات لم يشاركوا في اتخاذها؟
هذا ليس سؤالاً طائفياً، بل سؤال عن معنى الشراكة الوطنية. فالشراكة لا تُبنى بالخوف، ولا تستقيم بوجود سلطات موازية ومراكز قرار تتجاوز الدولة. إنها تقوم على المساواة أمام القانون، واحترام الدستور، وحصرية السلاح والقرار الأمني والعسكري بالمؤسسات الشرعية.
الحقيقة أولاً، والدولة فوق الجميع
فخامة الرئيس، دولة الرئيس،
إن كشف الحقيقة اختبار لصدقية الدولة وقدرتها على حماية مواطنيها، مهما كانت الجهات المعنية بالملف.
نريد تحقيقاً جدياً، ونتائج واضحة، ومحاسبة قانونية، مع حماية الاستقرار الداخلي ومنع استغلال القضية سياسياً أو طائفياً. لكن حماية الاستقرار لا تعني دفن الحقيقة، والوحدة الوطنية لا تعني الصمت عن المخاطر.
لا نريد أن نحمي أنفسنا من بعضنا بعضاً؛ نريد دولة تحمينا جميعاً. ولا نريد أن نعيش أسرى الخوف من شريكنا في الوطن؛ نريد شراكة تقوم على الثقة والمساواة وسيادة القانون.
فهل تكون “شحنة الموت” مناسبة جديدة لتأجيل الحقيقة، أم اللحظة التي تثبت فيها الدولة اللبنانية أن أمن مواطنيها خط أحمر، وأن لا أحد، أياً كان اسمه أو موقعه أو حجم قوته، فوق القانون؟
15 تشرين الاول 2026
خبر عاجل
-
نائب “الحزب” يعترف: المتفجّرات لنا!
-
“الشحنة الارهابية”: أمن اللبنانيين ليس مجالاً للمساومة (نجيب زوين)
-
الدكتور ألبير الخوري يشكر منظمي احتفال ICM وللمشاركين فيه: لم نكن كممثلين عن طوائف أو أحزاب أو مناطق. كنّا كأبناء وبنات لعائلة واحدة اسمها لبنان
-
رسائل الى بيلا صوفيا في نقابة محرري الصحافة
-
كابوس الفراغ يقترب جنوباً.. وإسرائيل تهدد:سنهجر مليون لبنانيمانشيت – المدن


