من صنعاء إلى باب المندب… الأرض المستباحة في القانون الدولي

المحامي ميشال فلاّح

عاد اليمن إلى الحرب الواسعة. الحكومة المعترف بها دولياً أعلنت هجوماً لاستعادة المناطق الخاضعة للحوثيين، والسعودية عادت بقوة إلى المشهد العسكري، فيما يرد الحوثيون بالصواريخ والمسيّرات خارج الحدود، ويتقدم القتال مجدداً على جبهات الداخل. أما باب المندب، فلم يعد مجرد مضيق على خريطة اليمن، بل بات جزءاً من معركة تمس الملاحة والتجارة وأمن المنطقة بأسرها.
لكن وسط ضجيج الحرب يضيع سؤال لا يقل أهمية عن موازين القوى: مَن يملك قانوناً حق إطلاق النار في اليمن؟
السؤال ليس بلاغياً. ففي بلد تتداخل فوق أرضه حكومة معترف بها دولياً، وسلطة حوثية تسيطر فعلياً على صنعاء ومناطق واسعة، وقوى يمنية متعددة، وتدخلات إقليمية ودولية، لم يعد ممكناً وضع جميع العمليات العسكرية في خانة قانونية واحدة.

دولة واحدة… وسلطتان
المعضلة الأولى هي: مَن يمثل اليمن؟ الحوثيون يملكون السيطرة الفعلية على صنعاء ومناطق واسعة، لكن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لم ينقلا إليهم الاعتراف بالحكومة اليمنية. وفي المقابل، تحتفظ السلطة اليمنية المعترف بها دولياً بمركزها القانوني الخارجي رغم عدم سيطرتها على كامل أراضي الدولة. وهنا ينفصل عنصران يجتمعان عادة في الدولة المستقرة: الشرعية والفعالية. فالسيطرة على العاصمة لا تكفي وحدها لتحويل سلطة الأمر الواقع إلى حكومة معترف بها دولياً، مثلما أن الاعتراف الدولي لا يمنح الحكومة بالضرورة قدرة فعلية على حكم كامل إقليمها.
والتمييز بالغ الأهمية، لأن الجهة التي تمثل الدولة دولياً تستطيع، من حيث المبدأ، طلب المساعدة الخارجية. ومن هنا يستند جانب أساسي من الحضور السعودي إلى طلب السلطات اليمنية المعترف بها ودعمها، لا إلى مجرد قرار سعودي منفرد بدخول الأراضي اليمنية. لكن الموافقة الحكومية ليست شيكاً على بياض. فحتى التدخل القائم على رضا دولة ما يجب أن يبقى ضمن نطاق ذلك الرضا، ولا يعفي الدولة المتدخلة من التزاماتها الدولية.

إيران: الدعم لا يساوي حق التدخل
على الجهة المقابلة تظهر إيران. مجلس الأمن فرض حظراً موجهاً على توريد السلاح للحوثيين، وأدرج الجماعة سنة 2022 ضمن الكيانات الخاضعة لتدابير حظر السلاح المقرر في نظام العقوبات الخاص باليمن. كما شهد مجلس الأمن مراراً اتهامات لإيران بتزويد الحوثيين بالأسلحة في انتهاك لهذا الحظر. لكن المسألة القانونية أوسع من شحنة سلاح هنا أو دعم عسكري هناك.
فإذا كانت الحكومة التي تمثل اليمن دولياً لم تطلب تدخلاً إيرانياً، فلا يمكن تبرير نشاط عسكري إيراني داخل اليمن بمبدأ «التدخل بناءً على الطلب» نفسه الذي يمكن أن تستند إليه دولة مدعوة من الحكومة.
وهنا يصبح السؤال عن طبيعة الدعم ومداه ودرجة السيطرة على الجماعة المسلحة حاسماً. فليس كل دعم سياسي أو مالي أو عسكري لجماعة مسلحة يجعل الدولة الداعمة تلقائياً طرفاً في النزاع أو يجعل كل أفعال الجماعة منسوبة إليها قانوناً. قواعد المسؤولية الدولية تضع شروطاً أكثر دقة من الشعارات السياسية. وهذا فارق مهم بين القانون والسياسة، وصف جماعة بأنها «مدعومة من دولة» شيء، وإثبات مسؤولية تلك الدولة قانوناً عن عملية عسكرية محددة شيء آخر.

وماذا عن الحوثيين؟
في المقابل، عدم الاعتراف بالحوثيين حكومة شرعية لا يضعهم خارج القانون. فمجلس الأمن، في القرار 2216 وما تلاه من قرارات، أنشأ منظومة من الالتزامات والعقوبات المتعلقة باليمن، فيما أصبح الحوثيون أنفسهم خاضعين لحظر السلاح المستهدف. كما أدان المجلس الهجمات التي نفذوها ضد السفن التجارية في البحر الأحمر.
لكن الأهم أن القانون الدولي الإنساني لا يحتاج إلى الاعتراف السياسي بالطرف المسلح حتى يلزمه. فالحوثيون، بصفتهم جماعة مسلحة منظمة وطرفاً في نزاع مسلح، ملزمون بالقواعد الأساسية لقانون الحرب: حماية المدنيين، والتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، واحترام مبدأ التناسب، وعدم شن الهجمات العشوائية، واحترام الضمانات الأساسية للمحتجزين.
والقاعدة نفسها تنطبق على خصومهم. فالقانون لا يقول للحوثي إنه حكومة عندما يطالبه باحترام قانون الحرب، كما لا يمنح الحكومة حصانة من المساءلة لأنه يعترف بها حكومة شرعية.

عندما خرجت الحرب إلى البحر
هنا تبدأ المرحلة الأكثر تعقيداً. في كانون الثاني 2024 أصدر مجلس الأمن القرار 2722، الذي أدان بأشد العبارات هجمات الحوثيين على السفن التجارية، وطالب بوقفها، وأكد ضرورة احترام حرية الملاحة. ومنذ ذلك الحين أصبح البحر الأحمر جزءاً أساسياً من الملف اليمني. لكن هذا القرار يحتاج إلى قراءة قانونية دقيقة. إدانة الهجمات على السفن والتأكيد على حقوق الدول وفق القانون الدولي لا يعنيان أن مجلس الأمن أصدر تفويضاً عاماً ومفتوحاً بقصف اليمن كلما وقع تهديد للملاحة.
وهنا يظهر الفارق بين قرار مجلس الأمن الذي يجيز صراحة استخدام القوة وبين قرار يدين أفعالاً ويؤكد الحقوق القائمة للدول، بما فيها، عند توافر شروطها، حقوق مرتبطة بالدفاع عن النفس.
لذلك، عندما تستخدم دولة القوة ضد أهداف في اليمن بحجة حماية سفنها أو الرد على هجمات تعرضت لها، يعود النقاش إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة: هل وقع «هجوم مسلح» بالمعنى القانوني؟ وهل الرد ضروري؟ وهل القوة المستخدمة متناسبة مع الهدف الدفاعي؟
إذ ليس كل تهديد للملاحة إذناً بحرب مفتوحة. وفي الاتجاه الآخر، لا يستطيع الحوثيون اعتبار البحر الأحمر امتداداً بلا حدود لساحة النزاع اليمني. فالسفينة التجارية لا تتحول إلى هدف عسكري لمجرد جنسيتها أو مسارها أو ارتباط اقتصادي بعيد بدولة يعتبرها الحوثيون خصماً.

السعودية: دفاع عن اليمن أم دفاع عن نفسها؟
وتزداد الصورة تعقيداً عندما تعبر الصواريخ والمسيّرات الحدود اليمنية. فقد أعلن الحوثيون أخيراً تنفيذ هجمات ضد أهداف سعودية، بينها منشآت مرتبطة بالطاقة، في سياق الرد على العمليات السعودية في اليمن. وعند انتقال الهجوم من الداخل اليمني إلى إقليم دولة أخرى، يظهر أساس قانوني مستقل: حق الدولة في الدفاع عن نفسها إذا بلغ الهجوم الشروط التي يضعها القانون الدولي لاعتباره هجوماً مسلحاً.
وهنا قد تتعدد الأسس القانونية للعملية نفسها. فقد تكون دولة موجودة في اليمن بناءً على طلب الحكومة، ثم تواجه في الوقت نفسه هجمات مباشرة على أراضيها، فتتمسك أيضاً بحق الدفاع عن النفس. لكن حتى الدفاع عن النفس ليس رخصة غير محدودة. يبقى محكوماً بالضرورة والتناسب.

شرعية الحرب لا تبرر طريقة خوضها
هذه النقطة ربما تكون الأهم في الملف كله. لنفترض أن تدخلاً عسكرياً ما مشروع تماماً. هل يعني ذلك أن كل ضربة تنفذ خلاله مشروعة؟ الجواب: لا. القانون الدولي يفصل بين حق اللجوء إلى القوة وبين القواعد التي تحكم استعمال القوة أثناء الحرب.
قد تدخل دولة الحرب استناداً إلى دفاع مشروع عن النفس، ثم تنتهك القانون الدولي الإنساني إذا استهدفت مدنيين أو نفذت هجوماً غير متناسب. وقد يكون الطرف الآخر قد لجأ إلى القوة بصورة غير مشروعة، لكن ذلك لا يجعل مدنييه أهدافاً مشروعة. وهذه القاعدة يجب أن تطبق على الجميع: الحوثيين، والقوات الحكومية، والسعودية، وأي دولة أخرى تشارك مباشرة في العمليات. فالمدني لا يفقد حمايته لأن الطرف الذي يحكم منطقته غير معترف به دولياً، ولا تصبح المنشأة المدنية هدفاً مشروعاً لأنها موجودة في صنعاء، ولا تسقط قواعد الحرب لأن الخصم سبق أن انتهكها.

القانون أمام 22 مليون إنسان
خلف هذا النقاش القانوني توجد حقيقة يصعب تجاهلها: الأمم المتحدة قدرت في خطتها الإنسانية لعام 2026 أن 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى مساعدات وحماية إنسانية، وأن 18.3 مليوناً يعانون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي. ومع تجدد القتال، حذر برنامج الأغذية العالمي من تفاقم الجوع، فيما أدت المعارك الأخيرة إلى موجات نزوح جديدة. وهنا يفقد الجدل حول «شرعية الحرب» جزءاً من معناه إذا لم يقترن بالسؤال الآخر: ماذا فعلت الحرب بالمدنيين؟
حرب مَن إذاً؟ ربما تكون المشكلة الأساسية في اليمن أن الحرب تجاوزت منذ زمن حدود السؤال اليمني.
إنها حرب على السلطة داخل الدولة، لكنها أيضاً ساحة تنافس إقليمي. وهي نزاع على الأرض، لكنها أصبحت نزاعاً على البحر والملاحة. وهي مواجهة بين حكومة وجماعة مسلحة، لكنها في الوقت نفسه جزء من شبكة أوسع من المواجهات بين دول المنطقة. ولهذا لا تكفي عبارة «الحرب الأهلية اليمنية» لوصف كل ما يحدث. كما لا يكفي لكل طرف أن يعلن أنه يدافع عن «الشرعية» أو «السيادة» أو «المقاومة» أو «الملاحة الدولية» حتى تصبح أفعاله مشروعة.

القانون لا يحاكم الشعارات بل الأفعال
يسأل: مَن استخدم القوة؟ وبأي أساس؟ ضد مَن؟ وهل كان استخدامها ضرورياً ومتناسباً؟ وهل ميز أثناء العمليات بين المقاتل والمدني؟ وهل احترم حدود القانون عندما أصبحت لديه القدرة على تجاوزها؟
وفي السياسة، قد يكون السؤال اليوم: مَن يسيطر على صنعاء، ومَن يمسك بباب المندب، ومَن سيربح الجولة الجديدة من الحرب؟
أما السؤال القانوني فأكثر إزعاجاً لجميع الأطراف: مَن يملك حق إطلاق النار أصلاً؟ ومَن تجاوز هذا الحق؟ ومَن سيحاسبه عندما تنتهي الحرب؟
ففي اليمن، ربما لم تعد المشكلة في كثرة الذين يملكون السلاح فحسب، بل في كثرة الذين يدّعون امتلاك الحق في استعماله.