لا حلّ بالقوة…إلى الحوار درّ…!! (جوزف القصيفي)

لن يكون لبنان في مأمن من العواصف التي تهز المنطقة ، ولا من تداعيات الازمات الدولية الظاهرة والمستترة ، ولن تستطيع الدولة حمايته لأنها تفتقر إلى الرؤية الشاملة التي تنسجم مع واقع تركيبته ” الجيوسياسية”، مكتفية بوضع كل ” بيضها” في السلة الاميركية معتبرا انها الالف والياء في اللعبة الدولية – الاقليمية الدائرة رحاها، وأن أحدا لا يستطيع الوقوف في وجه سياستها. ولذلك فهي تلتمس من إدارة الرئيس دونالد ترامب ضغطا يضع حدا للاعتداءات الاسرائيلية، ويضمن انسحاب الغزاة وفق اي صيغة. فالمهم تحقيق مكسب واحد تواجه به اللبنانيين وتقنعهم أن لتحركها الخارجي جدواه. ولكن أين هو الإنجاز المنتظر، هل انتشار الجيش في مناطق لم يكن للاسرائيلي فيها وجود ثابت أو متحرك؟ هل استطاعت الدولة إبقاء لبنان تحت المظلة الاممية واقنعت الولايات المتحدة الاميركية بقبول التجديد لل” يونيفيل” باعتبارها الدولة الصديقة التي يركن إليها في مساعدة هذا الوطن المنكوب؟ غدا ، ومع انسحاب آخر جندي أممي سيكون لبنان معرضا لاخطار أشد هولا، من الداخل والخارج، خصوصا إذا كان البديل من ” اليونيفيل” قوة دولية متعددة الجنسية سيؤتى بها لمزيد من الضغط على ” حزب الله” وبيئته تحت شعار :” سيادة الدولة، وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني”. وهناك كلام في الاروقة الدولية بأنه في حال نجاح تشكيل هذه القوة ، فسيتم وضع البلاد تحت ” الفصل السابع”. وهذا يعني مشروع حرب تتجاوز الهدف المعلن من تشكيل هذه القوة، إلى مواجهات في الداخل ستقع دون محالة، برغم طمأنة المسؤولين من أن شيئا من هذا القبيل لن يحصل. ويرى سياسي يتسم بالحكمة أن الزيارات الرسمية إلى النبطيه – على أهميتها- لن تأتي أكلها مهما أطلقت تصريحات وأعلنت مواقف، واتخذت مبادرات ، وأن الحل في مكان آخر، وهو مؤتمر وطني جامع يشارك فيه جميع الافرقاء يكون البند الأول على جدول اعماله: وضع إستراتيجية أمنية للبنان يلتزم بها الجميع ويتقيد بقواعدها، فلا يعود هناك من مبرر لأي سلاح خارج الدولة، وتكون مهمة الدفاع عن وحدة البلاد واستقرارها بيد الجيش اللبناني. إذ لا يمكن ل” حزب الله” أو من كان في وضعيته أن يسلم سلاحه، لأن حصول ذلك في غياب رؤية وطنية لكيفية الدفاع عن لبنان وضمان سيادته واستقلاله والحد من الاطماع الإسرائيلية ومنعها من استباحة الحدود برا، جوا وبحرا، وهدم المدن والبلدات والقرى ومسحها عن بكرة ابيها ، وخلوها من اي أثر للحياة، يعني دعوة السكين إلى رقبة ” الحزب” ، وهو ما لا يرضاه وبيئته، وسيواجهه بكل الوسائل انى تكن التكلفة. ثمة من يقول ان واشنطن ترفض حاليا مبدأ الحوار الداخلي بغرض وضع الاستراتيجية الامنية بذريعة أن الحزب لم يضعف بما فيه الكفاية، وأنه يجب الانتظار حتى تخور قواه فيستسلم بالشروط التي تتلاءم ومصلحتها وترتاح إليها الدولة العبرية. إنطلاقا من ذلك، لا يتوهمن أحد أن الحل قريب وأن لبنان سيجد سلامه على المدى المنظور، وأن المخاض سيكون طويلا ولا يمكن التكهن بنهايته. وفي أي حال ، فان الانتخابات الإسرائيلية، وانشغال الرئيس ترامب بالانتخابات النصفية لن تجعل لبنان – أقله في الأيام المقبلة- في صدارة الاولويات، وسيبقى يترجح بين المرواحة والتصعيد، حتى أنه لن يذوق طعم الهدنة. ولذلك – ينصح هذا السياسي الحكيم- بتعزيز الوحدة الداخلية، وأن يضع رئيس الجمهورية تحديدا برنامجا لتحقيق هذا الهدف من خلال إطلاق حوار تمهيدي يفضي إلى مؤتمر وطني لا بد منه لوضع إستراتيجية أمنية تكون أقرب إلى الشرعة أو العقد للخروج من النفق. فلا يمكن صوغ حل من خارج إرادة اللبنانيين ووحدتهم، لأن اي حل يفرض بقوة السياسة أو قوة السلاح من غير أن يكون مركوزا في وفاق وطني واسع وشامل سينقلب إلى نقمة، ولا يفترض خوض مغامرة كهذه إذا كانت نتائجها غير مضمونة. من هنا ، يمكن القول انه لا يزال بإمكان الرئيس جوزف عون الدعوة إلى مؤتمر وطني للحوار تطرح فيه جميع المشكلات من دون قفازات، ولا يعني هذا أن المبادرة إن لم تلق نجاحا أو تحصد نتيجة فورية ، ستكون نهاية المطاف وستتسبب بانفجار داخلي.فهي، على العكس من ذلك ،ستفتح الباب واسعا أمام دينامية جديدة قد تساعد على توفير الظروف للخواتيم المرتجاة. إن لبنان بلد مركب طوائفيا، ولا يمشي فيه إلا التوافق. فلا احد يستطيع فرض أمر ذي طابع مصيري على هذا المكون أو ذاك. ولذا يفترض في الجميع أن يقرأ بعين العقل والمنطق والواقعية المشهد الجيو- سياسي، قبل إتخاذ قرارات تكون مجلبة للندم.