المحامي ميشال فلاّح
ليس السؤال الأهم ما إذا كان مسؤولون سوريون وممثلون عن حزب الله قد التقوا فعلاً في تركيا. السؤال الأكثر دلالة هو لماذا أصبح مثل هذا اللقاء ممكناً، بل منطقياً، بعد سقوط نظام بشار الأسد. فما يجري بين دمشق و”الحزب” ليس مجرد تبدل في علاقة سياسية، إنه جزء من إعادة تشكيل الجغرافيا الاستراتيجية للمشرق، حيث تحاول سوريا الانتقال من كونها عقدة في شبكة نفوذ إيرانية عابرة للحدود إلى دولة تعيد التفاوض على علاقاتها، وحدودها، وحتى على وجود القوى الأجنبية فوق أراضيها.
في الأول من تشرين الأول، كشفت رويترز، استناداً إلى ستة مصادر مطلعة، بينها مسؤولان سوريان ومسؤول أميركي ومصدر أمني لبناني رفيع قريب من حزب الله، عن اجتماع عقد في تركيا في أيلول بين مسؤولين سوريين وممثلين عن الحزب. دمشق وأنقرة نفتا الرواية بصورة قاطعة، فيما تمسكت الوكالة بمعلوماتها.[1]
هذه الرواية، ولو انها استندت على تقرير صحافي متعدد المصادر يقابله نفي رسمي، لا على واقعة مثبتة بصورة نهائية، لكن أهمية الرواية تكمن أيضاً في أن مضمونها يتطابق مع تحول أوسع يمكن توثيقه بمعزل عن الاجتماع نفسه. فالمفاوضات المفترضة لم تتناول استعادة التحالف السابق، بل ما يشبه تنظيم الانفصال بين حليفين سابقين أصبحا على طرفي معادلة جديدة. وبحسب المصادر، أبلغت دمشق حزب الله أنها لا تعتزم التدخل عسكرياً في لبنان لنزع سلاحه، لكنها طالبت بوقف عمليات التهريب عبر الحدود وتفكيك ما تقول إنها خلايا مرتبطة بالحزب داخل سوريا. أما الحزب فتعهد، وفق الرواية نفسها، بعدم التدخل في الشؤون السورية من دون تقديم جواب مباشر عن بقية المطالب.[1]
إذا صحت هذه التفاصيل، فالأمر لا يتعلق بمصالحة، بل بمحاولة تأسيس تعايش أمني اضطراري.
سقوط الجغرافيا الإيرانية
هنا تكمن الأهمية الاستراتيجية لسوريا. على مدى عقود، لم تكن دمشق بالنسبة إلى طهران حليفاً عربياً فحسب. كانت سوريا العقدة الجغرافية التي تسمح بوصل إيران، عبر العراق وسوريا، بحزب الله في لبنان. وقد وصفت مصادر وتحليلات غربية سقوط الأسد بأنه قطع لأهم طريق بري كان يربط إيران بالحزب. فيما تؤكد دراسات حديثة أن نظام الأسد شكّل حجر الزاوية في قدرة إيران على إسقاط نفوذها في المشرق.[2]
لذلك، لم يخسر حزب الله بسقوط الأسد نظاماً حليفاً فقط. لقد خسر بيئة جيوسياسية كانت تؤمن جزءاً أساسياً من عمقه الإقليمي. أما دمشق الجديدة فتنظر إلى المسألة من الاتجاه المعاكس. ما كان يمثل للحزب «عمقاً استراتيجياً» تريد الدولة السورية إعادة تعريفه باعتباره حدوداً سيادية. وهذا التحول ليس نظرياً. فالمباحثات السورية – اللبنانية الأخيرة تناولت بصورة مباشرة المعابر، ومكافحة التهريب، وتبادل المعلومات، وتعزيز الاتصال بين الأجهزة المختصة، بعد إنشاء اللجنة العليا المشتركة بين البلدين. إنها محاولة لنقل العلاقة، ولو تدريجياً، من شبكات القوة العابرة للحدود إلى مؤسسات الدولتين.[3]
تركيا: من داعم للسلطة إلى مدير للتوازنات؟
إذا ثبتت رواية اللقاء، فإن العنصر الأكثر دلالة فيه ربما يكون تركيا. ثلاثة من مصادر رويترز قالت إن أنقرة هي التي دفعت باتجاه الاجتماع. وهذا يتناسب مع الموقع الذي اكتسبته تركيا بوصفها أبرز الداعمين الإقليميين للسلطة السورية الجديدة، ومع محاولتها تقديم نفسها وسيطاً في نزاعات المنطقة.[1]
لكن الدور التركي يتجاوز الوساطة. فأنقرة باتت تمتلك قدرة متزايدة على التأثير في مستقبل الدولة السورية، وهو ما يضعها في تماس متصاعد مع الحسابات الإسرائيلية. وقد أظهرت تقارير غربية وإسرائيلية أن احتمال توسع الوجود العسكري التركي، ولا سيما إدخال منظومات دفاع جوي أو استخدام قواعد سورية، يثير مخاوف إسرائيلية لأنه قد يحد من حرية العمل العسكري الإسرائيلي داخل سوريا.[4]
وهكذا تظهر مفارقة استراتيجية، تراجع إيران في سوريا لا يعني بالضرورة ظهور فراغ. فقد يعني انتقال مركز الثقل نحو قوى أخرى.
إيران: الغائب الذي يكشف حجم التحول
ربما تكون المعلومة الأكثر حساسية في رواية رويترز أن إيران لم تشارك في الاجتماع المفترض. فبحسب مصدر أمني لبناني تحدث للوكالة، كان حزب الله قد أطلع طهران على الاتصال، لكن الإيرانيين أبدوا استياءهم من استبعادهم، فيما لم يُظهر الرئيس أحمد الشرع استعداداً لإقامة علاقة مباشرة معهم في المرحلة الراهنة.[1]
إذا ثبت ذلك، فهو يحمل معنى يتجاوز البروتوكول. فالعلاقة بين دمشق وحزب الله كانت لعقود جزءاً من مثلث دمشق – طهران – الحزب. أما الآن فتظهر إمكانية إدارة دمشق لعلاقتها بالحزب من دون أن تكون إيران طرفاً مباشراً في الغرفة. ولا يعني ذلك فك ارتباط حزب الله بإيران، ولا خروج طهران نهائياً من المشرق. لكنه يعني أن احتكارها السابق لإدارة هذه المساحة الجيوسياسية تعرض لضربة بنيوية.
روسيا لم تغادر
لكن اعتبار تركيا الوريث الوحيد للنفوذ الخارجي في سوريا سيكون تبسيطاً آخر. روسيا، التي أنقذ تدخلها العسكري نظام الأسد في 2015، خسرت بسقوطه موقع «حامي النظام». لكنها لم تخسر سوريا بالكامل. ففي 9 آب 2026، توصلت موسكو ودمشق، بعد مفاوضات طويلة، إلى اتفاق يعيد تنظيم الوجود الروسي في حميميم وطرطوس. تنتقل بعض المنشآت المدنية إلى الإدارة السورية، فيما تتحول المنشآت العسكرية إلى مراكز تدريب مشتركة ويبقى فيها وجود روسي. وفي أيلول، وثقت رويترز وصول قافلة بحرية روسية لإمداد المنشآت الساحلية للمرة الأولى منذ الاتفاق.[5]
هذا التفصيل بالغ الأهمية. إذ أن موسكو لا تحاول استعادة “سوريا الأسد” بقدر ما تحاول إعادة تعريف فائدتها لسوريا ما بعد الأسد. وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قد أشار، وفق ما نقلته “كوميرسانت”، إلى أن دمشق ترى فائدة في بقاء الوجود الروسي باعتباره عاملاً يوازن تأثير قوى أخرى. كما تحدثت مصادر سورية عن اهتمام سابق بعودة دوريات روسية إلى الجنوب السوري، وهي فكرة قوبلت، وفق الصحيفة، باعتراض إسرائيلي.[6]
بذلك تظهر روسيا في موقع مختلف عن إيران. فبينما ارتبط النفوذ الإيراني إلى حد بعيد بشبكات عسكرية وأيديولوجية عابرة للدولة، تحاول موسكو الاحتفاظ بنفوذها عبر اتفاق جديد مع الدولة السورية نفسها. وهذا قد يجعلها، بصورة مفارقة، إحدى أدوات دمشق لموازنة تركيا وإسرائيل وحتى الولايات المتحدة، بدلاً من أن تكون مجرد بقايا للنظام السابق.
إسرائيل أمام معضلة جديدة
من المنظور الإسرائيلي، يمثل انقطاع الطريق السوري أمام الإمداد الإيراني لحزب الله مكسباً استراتيجياً واضحاً. وتصف المصادر الإسرائيلية والغربية سقوط الأسد بأنه أضعف ممراً لوجستياً كان يخدم إيران وحزب الله.[7]
لكن المشكلة بالنسبة إلى إسرائيل هي البديل. فسوريا أقل ارتباطاً بإيران قد تكون أكثر ارتباطاً بتركيا، وعودة حضور روسي منظم قد تعيد أيضاً بعض القيود على حرية الحركة الإسرائيلية. وهكذا تجد إسرائيل نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً من مجرد “إخراج إيران من سوريا”، إذا هي تريد دولة سورية قادرة على منع إعادة تسليح حزب الله، لكنها لا تريد في الوقت نفسه سوريا تتحول إلى امتداد استراتيجي لتركيا أو إلى ساحة تعود فيها روسيا لممارسة وظيفة الموازن.
لبنان: من ساحة إلى دولة حدود؟
يبقى لبنان الطرف الذي يمكن أن يتأثر أكثر من غيره بهذا التحول. فإنشاء اللجنة العليا السورية – اللبنانية، والمباحثات اللاحقة حول ضبط الحدود ومكافحة التهريب وتبادل المعلومات، تشير إلى محاولة إعادة بناء العلاقة الثنائية على قاعدة مؤسساتية.[3]
السؤال هو ما إذا كانت هذه العملية ستنجح في نقل الحدود من كونها جزءاً من جغرافيا المحاور إلى كونها حدوداً فعلية بين دولتين. وهنا تحديداً تتجاوز أهمية الاجتماع التركي المفترض مسألة حصوله من عدمها. فما يجري ليس مجرد تفاوض بين دمشق وحزب الله. إنه تفاوض أوسع على قواعد النظام المشرقي الذي سيخلف النظام الذي انهار مع الأسد.
المشهد إذا، إيران تريد الاحتفاظ بما تبقى من نفوذها. تركيا تسعى إلى تحويل قربها من دمشق إلى قوة إقليمية. روسيا تعيد صياغة وجودها لكي يبقى مقبولاً من السلطة الجديدة. إسرائيل تريد منع إعادة بناء البنية الإيرانية من دون ظهور قوة منافسة أخرى على حدودها. والولايات المتحدة تحاول التأثير في شكل النظام الأمني الناشئ، وقد وصل الأمر إلى طرح دور سوري ضد حزب الله، وهو خيار قال أحمد الشرع إنه لا يريد الانخراط فيه.[8]
وسط ذلك كله، يحاول حزب الله التكيف مع واقع غير مسبوق منذ عقود. دمشق المجاورة لم تعد حليفاً، لكنها لا تريد بالضرورة أن تصبح عدواً. لذلك، فإن السؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة ليس ما إذا كانت دمشق وحزب الله قد “تصالحا”، بل هل تستطيع سوريا التحول من ممر في استراتيجيات الآخرين إلى دولة تستخدم موقعها الجغرافي للتفاوض معهم جميعاً؟
إذا نجحت، فلن يكون ما نشهده مجرد نهاية للممر الإيراني. سيكون بداية إعادة رسم ميزان القوى في المشرق.
الهوامش
[1] Reuters, “Syrian government officials and Hezbollah held secret talks in Turkey, sources say,” 1 October 2026. التقرير يستند إلى ستة مصادر، مع تسجيل النفي الرسمي السوري والتركي، وهو المصدر الأساسي لرواية الاجتماع ومضمونه والوساطة التركية وغياب إيران.
[2] Council on Foreign Relations, “Syria After Assad: What to Know About HTS, Hezbollah, and Iran,” 9 December 2024؛ وانظر أيضاً تحليل CSIS، “The Levantine Opportunity in a Churning Middle East,” September 2026. المصدران يصفان سوريا الأسد بأنها عقدة أساسية في شبكة النفوذ الإيرانية والطريق البري إلى حزب الله.
[3] Syrian Arab News Agency (SANA), materials on the Syrian–Lebanese Joint Higher Committee and bilateral border-management talks, July–September 2026. وتشمل مكافحة التهريب، تبادل المعلومات وإدارة المعابر الرسمية.
[4] The Guardian, reporting on Turkish–Israeli competition in post-Assad Syria؛ وانظر أيضاً Jerusalem Post coverage of Israeli assessments of Turkish military expansion in Syria. القلق الإسرائيلي يتركز خصوصاً على أثر الوجود التركي المحتمل في حرية العمل الجوي الإسرائيلي.
[5] Reuters, “Russian convoy resupplies Syria coastal facilities for first time since Moscow-Damascus deal,” 14 September 2026؛ Financial Times, “Syria makes deal to take control of Russian bases,” 9 August 2026. يؤكد المصدران إعادة تنظيم الوجود الروسي لا إنهاءه بالكامل.
[6] Kommersant, reporting on the future of Hmeimim and Tartus and Russian–Syrian security relations, January–April 2026. نقلت الصحيفة عن لافروف اهتمام دمشق ببقاء روسيا كعامل موازن، كما تناولت فكرة عودة دور روسي في الجنوب السوري.
[7] Reuters, “Can Lebanon disarm Hezbollah?”, 6 August 2025؛ Council on Foreign Relations, December 2024. كلاهما يشير إلى أن سقوط الأسد قطع أو أضعف بصورة حادة الطريق البري الرئيسي الذي كان يصل إيران بحزب الله عبر سوريا.
[8] The Washington Post/AP, “Trump presses Syria to take on Hezbollah, raising alarm in Lebanon and Israel,” 28 June 2026. التقرير تناول الطرح الأميركي لدور عسكري سوري ضد الحزب وموقف أحمد الشرع الرافض لهذا الخيار.


