من سليم تقلا إلى يوسف رجي..ثمانون عاماً في قصر بسترس: حين كان لبنان يصنع سياسته الخارجية… وحين كانت السياسة تُصنع له

المحامي ميشال فلاّح

ليست وزارة الخارجية اللبنانية حقيبة سيادية لأن البروتوكول يقول ذلك، بل لأنها كانت، منذ الاستقلال، المرآة الأكثر وضوحاً لمقدار ما يملكه لبنان من سيادته. فحين كانت الدولة قوية نسبياً، كان وزير خارجيتها يستطيع أن يتحدث باسم لبنان. وحين ضعفت الدولة، أو دخل جيش أجنبي أرضها، أو قامت وصاية عليها، أو أصبح قرار الحرب والسلم موزعاً بين الدولة وقوى أخرى، صار السؤال أكثر إحراجاً، باسم مَن يتحدث وزير الخارجية؟
من سليم تقلا عام 1943 إلى يوسف رجي اليوم، مرّ على قصر بسترس عشرات الوزراء. بعضهم ترك اسماً أكبر من الوزارة، وبعضهم مرّ فيها كموظف سياسي كبير، وبعضهم وجد نفسه يدافع عن سياسة لم يكن هو من يصنعها. وبين هؤلاء جميعاً تختصر الخارجية قصة الجمهورية اللبنانية نفسها، من الاستقلال إلى الحرب، ومن الاحتلال إلى الوصاية، ومن زمن الدولة إلى زمن الدويلات، ثم إلى المحاولة الراهنة لإعادة القرار إلى المؤسسات.

رجال الاستقلال: دولة صغيرة بطموح كبير
كان سليم تقلا أول وزير للخارجية في حكومة الاستقلال، من أيلول 1943 إلى كانون الثاني 1945. والرجل لم يكن وزيراً جاء إلى الاستقلال بعد وقوعه، كان من رجاله، واعتقل مع بشارة الخوري ورياض الصلح ورفاقهما في قلعة راشيا. كانت المهمة يومها واضحة، إخراج لبنان من الانتداب وتثبيت شخصيته الدولية والعربية. لم تكن الدولة تملك الكثير من القوة، لكنها كانت تعرف، على الأقل، ما الذي تريد أن تكونه.
بعد تقلا تعاقب هنري فرعون وحميد فرنجية وفيليب تقلا، وعاد بعضهم أكثر من مرة، ثم حمل الحقيبة حسين العويني وشارل حلو وناظم عكاري وصائب سلام وسليم لحود. أسماء تكشف أيضاً طبيعة الجمهورية الأولى، الخارجية لم تكن حكراً على الدبلوماسيين، بل كانت جزءاً من صناعة التوازن السياسي للدولة الناشئة.

لكن الاسم الذي جعل لبنان أكبر من حجمه الجغرافي كان شارل مالك. تولى مالك الخارجية بين 1956 و1958، لكن حضوره الدولي سبق الوزارة وتجاوزها. كان عضواً بارزاً في لجنة صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومقرراً لها، ثم ترأس الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثالثة عشرة. وتوثق الأمم المتحدة موقعه المركزي في المناقشات التي أفضت إلى إعلان 1948. المفارقة تستحق التوقف عندها. لبنان الذي سيعجز لاحقاً عن فرض سلطته على كامل أراضيه، كان أحد أبنائه يشارك في صياغة وثيقة تحدد حقوق الإنسان للعالم.
لكن مالك نفسه كان ابن زمن شديد الاستقطاب. فعهده في الخارجية تزامن مع الصراع بين الناصرية والغرب، وانتهى لبنان إلى أزمة 1958 والتدخل العسكري الأميركي. وهنا ظهرت مبكراً معضلة سترافق الخارجية طويلاً، كيف يحافظ لبنان على موقع عربي من دون أن يذوب في صراعات العرب، وعلى علاقاته الغربية من دون أن يتحول إلى رأس جسر للغرب؟

جمهورية تحاول السير بين الألغام
في العهد الشهابي وما تلاه، برز مجدداً فيليب تقلا وحسين العويني وفؤاد عمون، ثم في عهد شارل حلو جورج حكيم وفؤاد بطرس، إلى جانب وزراء آخرين لفترات متفاوتة. كان لبنان يعيش سنوات ازدهاره، لكن تحت الأرض كانت الألغام تتكاثر: هزيمة 1967، تصاعد العمل الفلسطيني المسلح، الانقسام اللبناني حوله، ثم اتفاق القاهرة سنة 1969.
كان لبنان يملك وزارة خارجية، لكنه بدأ يفقد شيئاً أخطر، احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني. ومنذ تلك اللحظة تقريباً أصبح تاريخ الخارجية اللبنانية تاريخ محاولة دائمة لمعالجة نتائج قرارات لم تتخذها الوزارة أصلاً.

الخارجية تدخل الحرب
في عهد سليمان فرنجية تولى خليل أبو حمد الخارجية، ثم خاتشيك بابكيان وفؤاد نفاع وفيليب تقلا ولوسيان دحداح وكميل شمعون. لكن الجمهورية التي عرفها هؤلاء كانت تتفكك، إلى أن انفجرت الحرب سنة 1975. ومع إلياس سركيس عاد فؤاد بطرس إلى الخارجية بين 1976 و1982. هنا برز نموذج مختلف تماماً عن شارل مالك. مالك كان دبلوماسياً لدولة تريد توسيع حضورها، أما بطرس فكان دبلوماسياً لدولة تحاول منع اختفائها.
الحرب الأهلية، الوجود العسكري السوري، السلاح الفلسطيني، الاجتياحات الإسرائيلية، والانقسام الداخلي جعلت هامش الدولة بالغ الضيق. وتميز بطرس بأسلوب واقعي شديد الحذر، فلا أوهام عن قوة لبنان، ولكن أيضاً محاولة لمنع الآخرين من ابتلاع ما بقي من قراره. وهذه ربما إحدى أهم قواعد السياسة الخارجية اللبنانية، الدبلوماسية لا تعوض غياب القوة، لكنها تستطيع أحياناً منع الضعف من التحول إلى استسلام كامل.

وزير خارجية في دولة محتلة ومقسمة
بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، تولى إيلي سالم الوزارة في عهد أمين الجميل، في مرحلة اتفاق 17 أيار وما أحاط به من صراع داخلي وإقليمي. ثم جاء رشيد كرامي وزيراً للخارجية إلى جانب رئاسة الحكومة حتى اغتياله عام 1987. وفي انهيار المؤسسات سنة 1988 ظهر اسم نبيل قريطم لفترة بالغة القصر، ثم حمل ميشال عون الحقيبة ضمن حكومته العسكرية، فيما تولى سليم الحص الخارجية في حكومة أخرى، في صورة تكاد تختصر انهيار الدولة: حكومتان، وشرعيتان متنازعتان، وعاصمة مقسمة، وجيوش أجنبية وميليشيات. أي سياسة خارجية يمكن أن تنتجها دولة تختلف أصلاً على مَن يمثلها؟

الطائف والسيادة الناقصة
بعد الحرب برز فارس بويز، الذي أمضى الجزء الأكبر من التسعينيات في الخارجية، مع فترة قصيرة لـنصري المعلوف، ثم تولى سليم الحص الوزارة بين 1998 و2000، وبعده محمود حمود، وبين ولايتي حمود جاء جان عبيد. كانت المؤسسات قد عادت، لكن الجيش السوري بقي في لبنان، ودمشق امتلكت نفوذاً حاسماً في الحياة السياسية والأمنية اللبنانية.
من هنا، لا يمكن مقارنة وزير خارجية التسعينيات كما وزير في دولة مكتملة السيادة، لأن سقف السياسة الخارجية نفسها كان منخفضاً. لكن هذا لا يلغي السؤال التاريخي، هل كان المطلوب إدارة الأمر الواقع، أم الاعتراض عليه؟ وأين ينتهي الواقعي ويبدأ التكيف مع الوصاية؟
تلك أسئلة لا تزال الإجابات اللبنانية عنها مختلفة حتى اليوم.

بعد 2005: خرج الجيش السوري وبقي الصراع على القرار
كان اغتيال رفيق الحريري عام 2005 وخروج الجيش السوري تحولاً كبيراً. لكن انتهاء الوجود العسكري السوري لم يؤدِّ تلقائياً إلى قيام سياسة خارجية مستقلة، لأن الانقسام انتقل إلى الداخل بصورة أكثر حدّة. تولى فوزي صلوخ الخارجية خلال حرب تموز 2006 والانقسام السياسي الكبير، ثم علي الشامي، وبعده عدنان منصور مع انفجار الحرب السورية. وفي تلك السنوات أصبح قصر بسترس نفسه ساحة مواجهة سياسية، هل لبنان جزء من محور إقليمي تقوده إيران وسوريا، أم دولة عربية ينبغي أن تنأى بنفسها عن صراعات المحاور؟
ثم جاء جبران باسيل عام 2014 وبقي حتى 2020، في واحدة من أطول الولايات الحديثة وأكثرها إثارة للجدل. اتخذ مواقف وتحفظات في اجتماعات عربية مرتبطة خصوصاً بإدانة حزب الله أو إيران. ادَّعى أنه كان يحمي التوازن الداخلي ولا يسمح بتحويل الخارجية إلى منصة ضد مكوّن لبناني، إلا أن تلك السياسة أضعفت علاقات لبنان العربية، ولا سيما الخليجية.
وهنا عاد السؤال القديم بصيغة جديدة، هل وظيفة وزير الخارجية أن ينقل توازنات القوى اللبنانية إلى الخارج، أم أن يمثل حصراً مصلحة الدولة اللبنانية؟

من استقال لأنه لم يستطع… إلى أزمة كلام
جاء ناصيف حتي عام 2020 من خلفية دبلوماسية وأكاديمية، لكنه استقال بعد نحو ستة أشهر، معلناً افتقاد رؤية للبنان الذي يؤمن به ومحذراً من الانزلاق نحو الدولة الفاشلة. وقد يكون أهم ما فعله حتي أنه غادر. فالاستقالة، في نظام اعتاد مسؤولوه البقاء في مواقعهم حتى بعد انهيار السياسات التي يمثلونها، تحولت بحد ذاتها إلى موقف. أما شربل وهبة فانتهت ولايته القصيرة عام 2021 بعد تصريحات أثارت أزمة مع السعودية ودول الخليج، فطلب إعفاءه من مهامه. وتولت زينة عكر الوزارة بالوكالة لفترة انتقالية.
والدرس هنا معاكس تماماً لدرس شارل مالك. الكلمة التي تستطيع رفع مكانة بلد صغير تستطيع أيضاً أن تورطه في أزمة أكبر من حاجته إليها.

عبدالله بوحبيب: دبلوماسية الدولة التي لا تملك قرار الحرب
تولى عبدالله بوحبيب الوزارة من 2021 حتى شباط 2025. كانت الدولة مفلسة تقريباً، المؤسسات مشلولة، الرئاسة شاغرة لفترة طويلة، ثم جاءت حرب غزة وفتح جبهة الجنوب. دعا بوحبيب إلى تطبيق القرار 1701 وأكد أن لبنان لا يريد الحرب. لكن المشكلة كانت أعمق من مهارة الوزير أو ضعفه، هل يستطيع وزير خارجية أن يقنع العالم بأن لبنان لا يريد حرباً، فيما الدولة نفسها لا تحتكر قرار إطلاق النار؟
هذه المعضلة ربما كانت أقسى تعبير عن أزمة الدبلوماسية اللبنانية منذ الحرب الأهلية.

يوسف رجي: محاولة تغيير اللغة
في 8 شباط 2025 تولى الدبلوماسي يوسف رجي الخارجية في حكومة نواف سلام، في عهد الرئيس جوزاف عون، بعد حرب مدمرة ومع استمرار إسرائيل في احتلال نقاط لبنانية. لكن المختلف في خطاب رجي هو وضوح الأولويات: وقف الاعتداءات الإسرائيلية وانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة من جهة، وحصر السلاح وقرار الحرب والسلم بالدولة من جهة أخرى. وقد كرر رسمياً أن لبنان يطالب بالانسحاب الإسرائيلي الكامل، وفي الوقت نفسه اعتبر أن قيام الدولة يستوجب إنهاء وجود السلاح الموازي لمؤسساتها.
وفي 2026 ذهب أبعد في خطابه تجاه حزب الله وإيران، بالتوازي مع تبني التفاوض مساراً لاستعادة الاستقرار والانسحاب الإسرائيلي. وهي مواقف تحظى بتأييد غالبية شعبية لبنانية غير مسبوقة منذ عقود.

من شارل مالك إلى قصر بسترس اليوم
ثمانون عاماً مرت، لكن السؤال لم يتغير كثيراً. كان شارل مالك يناقش العالم في معنى الحرية وحقوق الإنسان، وقد ترأس الجمعية العامة للأمم المتحدة باسم لبنان. واليوم لا يزال لبنان يطالب المجتمع الدولي بمساعدته على استعادة أرضه وبسط سلطة دولته وحصر السلاح في مؤسساتها. والفارق بين الصورتين ليس مسؤولية وزير واحد، إنه تاريخ دولة كاملة.
بعض وزراء الخارجية رفعوا حضور لبنان لأن وراءهم دولة تملك مشروعاً، وبعضهم حاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه حين كانت الدولة تنهار، وبعضهم تكيف مع وصاية أو ميزان قوى داخلي، وبعضهم جعل الوزارة طرفاً في صراعات كان يفترض أن تحاول حماية لبنان منها. لذلك لا يكون الحكم التاريخي على وزير الخارجية بعدد البيانات التي أصدرها، ولا بعدد السفراء الذين استقبلهم، بل بما إذا كان قد دافع عن مصلحة لبنان عندما تعارضت مع مصلحة الخارج، وحافظ على موقع الدولة عندما حاولت القوى الداخلية اختصارها بنفسها.
ومن راشيا إلى الأمم المتحدة، ومن الاحتلال الإسرائيلي إلى الوجود السوري، ومن الحرب الأهلية إلى النفوذ الإيراني وصعود حزب الله، تبدلت أسماء المحتلين والأوصياء والمحاور، لكن امتحان وزير الخارجية بقي واحداً: هل كان وزير خارجية الجمهورية اللبنانية، أم وزير خارجية ميزان القوى المفروض عليها؟
هنا تحديداً يفصل التاريخ بين وزير يضيف إلى رصيد لبنان، ووزير يمرّ في سجلات الحكومات، وآخر تبقى مواقفه موضع مساءلة سياسية قاسية لدى اللبنانيين. فلبنان لا يحتاج وزير خارجية يرفع صوته أكثر. يحتاج وزيراً يستطيع أن يقول في الخارج ما تقرره دولة سيدة في الداخل. وعندما تستعيد الدولة قرارها، يصبح قصر بسترس نافذتها إلى العالم. أما عندما تفقده، فلا يبقى لوزير الخارجية، مهما كان اسمه، سوى أن يشرح للعالم لماذا لم يعد لبنان قادراً على الكلام بصوت واحد.